وعن أنس - رضي الله عنه -"أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية" (1) .
وجاء عن جابر - أيضًا - رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -- في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال:"أمهلوا حتى ندخلها ليلًا أي عشاء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" (2) .
والشعثة: بفتح المعجمة وكسر العين المهملة ثم مثلثة. هي المغبرة الرأس المنتشرة الشعر، أطلق عليها ذلك لأن التي يغيب زوجها في مظنه عدم التزين، ومعنى (تستحد) أي تستعمل الحديدة وهي الموسى لإزالة الشعر عنها، وعبر الاستحداد، لأنه الغالب في إزالة الشعر. وليس في ذلك منع إزالته بغيره، و (المغيبة) بضم الميم وكسر المعجمة، وبعدها ياء ساكنة ثم موحدة مفتوحة، هي التي غاب عنها زوجها (3) .
وهذا الحديث لا يعارض قوله - - صلى الله عليه وسلم --:"فلا يطرق أهله ليلًا"لأن قوله:"أمهلوا حتى ندخلها ليلًا"، محمول على من علم أهله بقدومه، لأنهم أرادوا الدخول في أوائل النهار بغتة فأمرهم بالصبر إلى آخر النهار، ليبلغ قدوم القفل أو العسكر إلى المدينة، وتتأهب النساء وغيرهن، وأما قوله:"فلا يطرق أهله ليلًا"فهو محمول على من قدم بغتة بدليل قوله - - صلى الله عليه وسلم -- فيما أخرجه مسلم والنسائي:"نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم" (4) .
وهذا الجمع اختاره الشوكاني - كما في نيل الأوطار - (5) .
(1) أخرجه البخاري (3/619) .
(2) أخرجه البخاري (9/121، 341) ، ومسلم واللفظ له (13/76) ، وأبو داود (7/466) .
(3) أنظر: فتح الباري (9/123) ، عمدة القارئ (16/426) طبعة الحلبي.
(4) انظر: فتح الباري (9/340) .
(5) نيل الأوطار (6/240) طبعة الحلبي.