ومن أَبْينَ ذلك قولُه تعالى: { ولا تُخَاطِبْنِي في الَّذينَ ظَلَمُوا إنَّهُمْ مُغْرَقُوْنَ } .
وقد يتكَّررُ في الآيةِ الواحدةِ كقوله عزَ اسمُه: { وما أُبَرِّىءَ نَفْسي إنَّ النفسَ لأَمَّارةٌ بالسُّوء إلاَّ ما رَحِمَ رَبّي إنَّ ربَّي غَفورٌ رَحيمٌ }
لضمير الشأن في الجملة الشرطية وغيرها مع (إنّ) من الحسن ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه.
كقوله تعالى: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .
وقوله تعالى: { فإنّها لا تَعمَى الأبصَار } .
فلا يقال: هو من يتق ويصبر، هي لا تعمى الأبصار.
فليس إعلامُك الشيء بَغتةً مثلَ إعلامِك له بعدَ التَّنبيهِ عليه والتَّقدمةِ له، لأنَّ ذلك يَجري مجرى تكريرِ الإِعلام في التأكيد والإِحكام، ومن هاهُنا قالوا: إنَّ الشيءَ إذا أضمر ثمَّ فُسر كان ذلك أفخمَ له من أن يُذكرَ من غيرِ تقدم إضمار ويَدل عليه أنّا نعلم ضرورة في قوله تعالى: { فَإِنها لاَ تعمى الأَبصارُ } فخامة وشرفا وروعة لا نجد منها شيئًا في قولنا:"فإِنَّ الأبصارَ لا تَعمى" (1) .
تهيء النكرة للحديث عنها كقول الشاعر:
إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون
ولو حذفت (إن) وقلت: شواء ونشوة لم يكن كلاما.
علاقة"إن"بحال المخاطب:
تختلف أساليب الخبر باختلاف أحوال المخاطب الذي يعتريه ثلاثة أحوال:
أن يكون المخاطب خالي الذهن من الخبر غير متردد فيه، ولا منكر له فيساق الخبر دون تأكيد لعدم الحاجة إليه كقوله تعالى: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ويسمى هذا النوع ابتدائيا.
أن يكون المخاطب مترددا في الخبر فيحسن تأكيد الكلام تقوية للحكم فيزول التردد نحو: { إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ } ويسمى هذا النوع طلبيا.
(1) دلائل الإعجاز 112