الصفحة 63 من 231

تعال نصوّر ما يجري أمامنا من فوق ناحية البحر، من ارتفاع بخار متصاعد من مائه، يبدو خفيفًا يكاد لا يُرى إلا إذا أمعنا في النظر. يظل مرتفعًا قليلًا قليلًا ليبلغ بعد ذلك عنان السماء، فإذا به يتجمع خيوطًا دقيقة بيضاء يلمحها الناظر دون عناء، ثم نرى هذه الخيوط تتشابك بلطف وهدوء فإذا بها قطن مندوف رقيق الحاشية تتخللها زرقة السماء الصافية، وترى هنا وهناك مثيلات لها تتجمع قريبًا منها أو بعيدًا .. ثم تراها تتقارب بفعل الرياح المتحركة حولها، فإذا بها غيمة بيضاء رقيقة تكبر وتنمو وتتحرك ببطء نحو الشرق، وقد تقف قليلًا لينضم إليها رقيقات الحواشي التي كنت قبل قليل مثلهُنّ، وتكبر الرقعة البيضاء وتتسع رويدًا رويدًا مساحة وسماكة ليتغير لونها إلى الرمادي الخفيف بلحوق قطع الغيوم الأخرى بها أو بأخواتها حتى تراهنّ يملأن السماء الفسيحة ويتزاحمن فيها، ولعل بعضها يعلو بعضها حتى تصبح سوداء أو مثل ذلك، وتمنع عنا رؤية السماء، فإذا بالنور يضعف والهواء يشتد فيدفع هذه السحب نحو الشرق بقوة، ولعل بعضها يصطدم بالأخرى فإذا بضوء ساطع قويّ يصدر عنها يملأ جنبات الأرض، ثم تسمع صوت الرعد مجللًا مدويًا كمدافع الحرب الضخمة العملاقة، ولكننا لا نرى قذائف الدمار تحطم الأبنية والمنشآت، بل نحس بقطرات المطر تتوالي برفق فوق رؤوسنا، وتتوقف على ثيابنا، فإذا ما زادت قليلًا بدأت ثيابنا تتبل، وبدأت حبات الغيث تمتزج بالقشرة الأرضية من تربة جافة، فإذا رائحة الأرض طيبة النسائم تخترق خياشيمنا، وما أطيبها من رائحة، ثم تنقلب القطرات طلًا يتوالى دقائق ثم ينقلب وابلًا فيختلط بالأرض، ثم يخترقها، ثم يسيل عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت