الصفحة 108 من 231

وكل غفلة منك محتملة، وكل جفوة مغفورة، للشغف بك والثقة بحُسْن نيّتك، وسآخذ بقول أبي قيس:

ويُكرمها جاراتُها، فيزُرْنها --- وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعتذر

وفي هذا المعنى كتب أحدهم إلى أخيه يستزيره: طال العهد بالاجتماع حتى كِدنا نتناكر عند اللقاء، وقد جعلك الله للسرور نظامًا، وللأنس تمامًا، وجعل المَشاهدَ موحشة إذْ خلَتْ منك.

ولعل الرجل يهوى لقاء من يحب ومن يستفيد منه، ألم يقل بشار بن بُرد في هذا:

يسقط الطير حيث تلتقطُ الحَبَّ وتُغشى منازل الكرماء

فالإنسان يأوي إلى من يرتاح له فائدةً مادية أو معنوية، يقول الشاعر في هذا:

تثاقلْتُ إلا عن يد أستفيدُها --- وزَورةِ ذي وُدّ أشدّ به أزري

وقال رجل لصديقه: قد تصدّيت لقائك غيرَ مرّة، فلم يُقضَ ذلك. فقال له الآخر: كل بر تأتيه فأنت تأتي عليه (تصله وتنال خيره) .

ولعل والودّ والتفاهم يزيد في الآصرة ويُقوّي العلاقة خاصة إذا كان الرجلان متماثلين، وقد أنشد الشاعر في هذا المعنى بيتين لطيفين فقال:

أزور محمّدًا، وإذا التقينا --- تكلّمَتِ الضمائر في الصدور

فأرجع لم أَلُمْه ولم يَلُمني --- وقد رضي الضمير عن الضمير

لكنّ كثرة الزيارات وطول الزيارة يبعث الملل والقِلى في النفوس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"زُرْ غِبًّا تزدَدْ حبًّا". وقد وصف الأصمعي صاحبًا له فقال: كان يكره الزيارةَ المُمِلّة، والقعدة المُنسِيَة. وقد أنشد شاعر:

إذا شئتَ أن تُقلى فَزُر متتابعًا --- وإن شئتَ أن تزداد حباَ فزُرْغِبًا

وأنشد آخر بيتين ممتلئين حكمة وأدبًا، فقال:

أَقلِلْ زيارتَك الصديـ --- ــــقَ يراك كالثوب استَجَدّه

إنّ الصديق يُمِلّه --- ألاّ يزال يراك عنده

وقد أخطأ الشاعر فلم يجزم جواب الشرط، ولو وضع (يجدْك) بدل يراك لاستقام الوزن والمعنى.

إلا أن زيارة الكريم ولقاءه شفاء وراحة، ولقاء اللئيم مرض وسقام، وهذا ما أحسَن وصفَه شاعر متمكن ذو علم بهذين النوعين المتناقضين من الناس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت