و من تدبر حال هؤلاء المتعصبة، وجدهم لا إلى العلم الصحيح يعمدون، و لا للسنة الغراء ينتصرون، بل للحديث الصريح يحرفون و للنقل الصحيح لا يتحرون، و الدافع لذلك الهوى الغالبُ، و الجهل المفرط الحاجبُ، فباسمه ينافحُ و يحاججُ، يزعم أنه للحق والحقيقة ينسجُ، و ليس أشد ممّن زعم العلم بهواه من أعوج، و هو إلى السكوت من النُّطق أشد ما أحوجُ، فكم كانت بفتواهم تذوب لهم المهجُ، وكم كانت أهواؤهم للبدع تُرَوّ?جُ، فمتى يُرْفَعُ البلاء و يكون الفرجُ؟
فلقد اعترضني موقف بالأمس البعيد من شعبان، لما كانت ليلة الشك من رمضان، حيث تساءل أحدهم من ادعى العلم بالسنة و القران، يسأل أيان أول أيام الصيام، حتى يشرع أم لا في تلك الليلة بالقيام، فأجابه أحد الحاضرين بأن يوم غد هو أول أيام الصيام في بلد الله الحرام، فشنّع عليه بأنه لا يعنيه إلا أمر البلاد التي فيها أقام، أما سواها فليس له منها حظ ... و لا اهتمام.
و حتى يُصَحّحُ ذاك الغَلَطْ، بلا تعصّب و لا شَطَطْ، و لأننا لسنا كمن قصر أو أفْرَطْ، ... أو زاغ عن الجادة أو سَقَطْ، سنكتب- بمشيئة الله- هذه الرسالة، لمن أراد أن يستجلي المسألة و الاستبانة، بمناسبة استقبال شهر رمضان المعظم، في دعوة إلى توحيد العمل في رؤية ... هلال الشهر المكرم، فسيظهر بذلك البرهان، من سنة المصطفى عليه الصلاة و السلام، ... و أقوال أئمتنا من المالكية الأعلام، بصفاء في الدليل، و ليس أكثر من قول أحمد بجدير، ... و لا تمل مع الرياح حيث تميل، و ما أكثر الغاوون حين تسمع لهم و لكنهم في أهون ... الخطوب قليل، و لهم في الدنيا خزي و في الآخرة طعام وبيل.
هذا وقد رتبت هذه الرسالة، في نصح للجماعة، رغم قلة البضاعة، لعلني أنال بها الشفاعة، رتبتها على ستة مسائل تتعلق مباحثها ب:
-أولا: منزلة شهر رمضان بين القرآن و سنة خير الأنام.
-ثانيا: وجوبِ العملِ بالرؤيةِ الشرعيةِ الثابتةِ عن خيرِ البريَّةِ، فالعبرة بالرؤية لا بالحساب.
-ثالثا: توحيد رؤية هلال الشهر مدرك شرعي.