إنه من المعلوم أنه لا عبرة باختلاف المطالع في وجوب الصوم إلا عند المشهور لدى الشافعية (1) فهم يرون أنه"إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف المطالع" (2) ، و أما ما ذهبت إليه بقية المذاهب فهو يقضي بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وأنه يوحد الصوم بين المسلمين في جميع أقطار الأرض لعموم الأدلة من الكتاب و السنة.
ففي المذهب المالكي إذا رُئي الهلال عمَّ الصوم سائر البلاد، قريبًا أو بعيدًا ولا يُراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة (3) .
و قد جاء في تفسير القرطبي للآية {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (4) :
(1) قال ابن قدامة في المغني (3/ 7/ و4/ 329) : (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم وهو قول الليث وبعض أصحاب الشافعي كالقاضي أبي الطيب ... وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب النذر وغير ذلك من الأحكام فيجب صومه بالنص) .انظر كذلك (توجيه الأنظار) لأحمد بن الصديق (ص 80 - 92) .
(2) حاشية إعانة الطالبين (2/ 219) ، مغني المحتاج (1/ 422) . ... (3) حاشية الدسوقي (1/ 510) ، بداية المجتهد لابن رشد (1/ 210) . ... (4) البقرة: 185.
وأما مذهب مالك في هذه المسألة فروى ابن وهب وابن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء. وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء، وإن