أنا مدفعٌ سواني ربي للعدا *** (بكتابتي) أُعلي بها إيمانِ [1]
وبعد ؛ فقد قال يونس الصباحي في كتيبه"الحكم بغير ما أنزل الله" [2] : .. فلا يجوز للمبتدئ في طلب العلم فضلًا عن العامي , أن يتصدر للكلام في دماء المسلمين ومسائل الكفر والإيمان , بل الواجب عليه أن يمسك عليه لسانه. [ص 22]
نقول وبالله التوفيق:
أولًا: لا يشترط فيمن يتكلم في فنٍ من الفنون أن يكون ملمًا بجميع الفنون , بل ولا يشترط أن يكون ملمًا بجوانب الفن نفسه الذي يتكلم فيه . بل الذي يشترط هو علمه بما يحدث به , فلا يهرف بما لا يعرف .
قال الإمام ابن حزمٍ رحمه الله: وفي هذا الباب أيضًا بيان جلي على أن من علم شيئًا من الدين علمًا صحيحًا فله أن يفتي به، وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك .. وقال أيضًا رحمه الله: وليس جهله بما جَهِل بمانع من أن يفتي بما علم ، ولا علمه بما عَلِم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يُفْتِ إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتي أصلا، وهذا لايقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله. وفي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام .. أهـ [ أنظر الإحكام 5/127-128 ] قال الشيخ العلامة عبد القادر بن عبد العزيز تعليقًا على كلام ابن حزم: وقول ابن حزم (ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك) يعنى الصحابة رضي الله عنهم، وقد بَوَّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة في كتاب الإعتصام من صحيحه في باب (الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وماكان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام) (فتح الباري) جـ 13/320، وأقام فيه البخاري الأدلة على أن بعض السُّنن كانت تخفى على بعض الصحابة ويعلمها غيرهم لتفاوت ماعندهم من العلم، وكانوا - مع ذلك -
(1) من نونية الأخ أبي مالك البطحاوي فك الله أسره , وما بين القوسين من تصرف العبد الفقير .
(2) أعجبتني إجابة أحد الأصحاب بديهةً لما قرأتُ عليه عنوان كتيب يونس الصباحي فقلت:"الحكم بغير ما أنزل الله"فأجابني سريعًا بقوله:"سنة مؤكدة !!".