فإن قلت:- إذا كان الأمر كذلك فكيف دخلت هذه الفروع التي لادليل عليها على بعض أهل العلم مع كمال مرتبتهم في العلم والفهم فأقول:- لابد أن تعلم أولًا أن الكمال المطلق من خصائصه جل وعلا لا يشاركه في ذلك ملك مقرب ولانبي مرسل ولا ولي صالح فضلًا عن غيرهم . وأما أهل العلم فلهم فتطلق الكمال أي بعضه, فليس في البشرية على وجه العموم أحد كامل الكمال المطلق, ولا أحد يدعي ذلك, هذا أولًا, وأما ثانيًا:- فاعلم يرعاك الله تعالى أنه لا يستطيع أحد أن يحيط بكل الأدلة الشرعية , فإن هناك من الأدلة ما يخفى على البعض على بعض أهل العلم حتى وإن علت مرتبته في العلم , فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ماقضى الله ورسوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ, فهذا الصديق رضي الله عنه أعلم الأمة وأشدهم ملازمة للني ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد خفي عليه ميراث الجدة حتى أعلمه بذلك محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وقد رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم . وخفي عليه أن الشهيد لا دية له حتى أعلمه عمر بذلك فرجع إلى قوله والحديث بطوله عند البيهقي في سننه , وهذا عمر رضي الله عنه على عظم علمه يخفى عليه تيمم الجنب حتى قال:- لو بقي شهرًا لم يصل حتى يغتسل , وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في الكتاب الذي كتبه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لعمرو بن حزم"أنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قض فيها بعشرٍ فترك قوله ورجع إليه , وخفي عليه شأن الاستئذان وأنه ثلاث فقط حتى أخبره أبو موسى وأبو سعيد الخدري بذلك , وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي - وهو أعرابي من أهل البادية أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أمره أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها , وخفي عليه حكم إملاص المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة , وخفي عليه أمر المجوس في"