: { أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ } فَقَوْلُهُ:"بِي"أَرَادَ أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ بِاسْمِهِ لَمْ تَتَحَرَّكْ بِذَاتِهِ وَلَا مَا فِي الْقَلْبِ هُنَا ذَاتُهُ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: اللَّهُ سَطْرٌ ؛ وَرَسُولُ سَطْرٌ ؛ وَمُحَمَّدٌ سَطْرٌ } فَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِلَفْظِ اللَّهِ هُوَ النَّقْشُ الْمَنْقُوشُ فِي الْخَاتَمِ الْمُطَابِقُ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ بِالْقَلْبِ الْمُطَابِقِ لِلْمَوْجُودِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْعَائِدَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ اقْتَرَنَ بِهَا مَا بَيَّنَ الْمُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْتِبَاسٌ فَكَذَلِكَ لَفْظُ بَيْتِهِ . وَقُلْنَا: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِيهَا مَا بُنِيَ لِلْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَالْأَنْوَارِ الَّتِي يَجْعَلُهَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ثُمَّ قَالَ: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } إلَى قَوْلِهِ: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا النُّورَ فِي هَذِهِ الْقُلُوبِ وَفِي هَذِهِ الْبُيُوتِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ:"إنَّ الْمَسَاجِدَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ كَمَا تُضِيءُ الْكَوَاكِبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ". وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقِيقَةً فِيمَا ذَكَرَ لَكَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا يُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ ؟ تَعْنِي بِهِ مَا هُوَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِك ؟ حَيْثُ قُلْت فِي تَقْسِيمِ الْأَلْفَاظِ: الِاسْمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا ؛ أَوْ مُتَعَدِّدًا . فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَمَفْهُومُهُ يَنْقَسِمُ عَلَى وُجُوهٍ . الْقِسْمَةُ الْأُولَى: إنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي مَفْهُومِهِ: أَوْ لَا يَصِحُّ . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ طَلَبِيٌّ . وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِكَلَامِ بَعْضُهُ حَقٌّ ؛ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ اتَّبَعَ فِيهِ الْمَنْطِقِيِّينَ . ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إنْ كَانَ مَفْهُومُهُ غَيْرَ صَالِحٍ لِاشْتِرَاكِ كَثِيرِينَ فِيهِ فَهُوَ الْجُزْئِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ الْعِلْمُ خَاصَّةً ؛ وَقَسَّمَهُ تَقْسِيمَ النُّحَاةِ . ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الِاسْمُ وَاحِدًا وَالْمُسَمَّى مُخْتَلِفًا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ ؛ أَوْ هُوَ مُسْتَعَارٌ فِي بَعْضِهَا . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسَمَّيَاتُ مُتَبَايِنَةً كَالْجُونِ لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَوْ غَيْرَ مُتَبَايِنَةٍ كَمَا إذَا أَطْلَقْنَا اسْمَ الْأَسْوَدِ عَلَى شَخْصٍ بِطَرِيقِ الْعِلْمِيَّةِ وَبِطَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ مِنْ السَّوَادِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ مَجَازٌ . فَإِنْ أَرَدْت هَذَا فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الِاسْمُ الْوَاحِدُ الَّذِي يَخْتَلِفُ مُسَمَّاهُ وَيَكُونُ مَوْضُوعًا عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَتَقْسِيمُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا وَيَكُونُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا كَمَا ذَكَرْته . وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَك: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إذَا كَانَتْ حَقِيقَةً فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الصُّوَرِ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي وَاحِدٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ إمَّا وَاحِدًا وَإِمَّا مُتَعَدِّدًا وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَوْرِدَ النِّزَاعِ دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرْته فَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا كَانَ اللَّفْظُ وَاحِدًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ هُوَ لَفْظُ ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَمَتْنِهَا وَجَنَاحِ السَّفَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ ؛ لَيْسَ مَعْنَاهُ مُتَعَدِّدًا مُخْتَلِفًا: بَلْ حَيْثُ وُجِدَ هَذَا اللَّفْظُ كَانَ مَعْنَاهُ وَاحِدًا كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ . فَإِنْ قُلْت: لَكِنَّ لَفْظَ الظَّهْرِ وَالْمَتْنِ وَالْجَنَاحِ يُوجَدُ لَهُ مَعْنًى غَيْرُ هَذَا . قِيلَ: لَفْظُ ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَجَنَاحِهَا لَيْسَ هُوَ