الصفحة 24 من 53

نبينا -صلى الله عليه وسلم- الدركلة ضرب من لعب الحبشة حتى جاء في الأثر: (خدوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة) [1] .

وبالمقابل نبذ الصدر الأول ثقافات وعادات وافدة، ومنها اللعب (بالإسبرنج) وهي الفرس التي في الشطرنج، وعرفوا الشطرنج وما فيه من بياذق أو بيادق وكلها فارسية، وجاء في الأثر: (من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) [2] ، وعرفوا لعبة السُّدُّر -نوع من القمار- وأنكروها، وعرفوا السمسرة من فارس وتكلموا فيها.

و لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا؟) قال: يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك.

قال: (فلا تفعل) [3] .

بل أكثر من ذلك كان عندهم نوع استقراء وتحليل للثقافة الوافدة، فقد تصوروا بعضها، وحكموا عليها -حكمًا خاصًا- قبل أن تفد، ومن ذلك ما جاء في البخاري: عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة -رضي الله عنهما- أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها و تصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: (أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) [4] .

فينبغي للمسلمين أن يعدوا الدراسات ويقيموا الثقافات من حولهم، حتى يميزوا بين حقها وباطلها وفقًا لضوابط الشرع، فيقبلوا ما فيها من خير، ويحصنوا المجتمعات ضد ما فيها من شر، وأول ذلك يكون بتقرير الثقافة الإسلامية في نفوس ذويها، وترسيخ مفاهيمها وبيان محاسنها قبل دعوة الآخرين إليها.

(1) انظر زوائد الهيثمي، مسند الحارث 2/ 826، والصحيحة 4/ 443 رقم (1829) ، وقد أعلها أبو حاتم كما في العلل لابن أبي حاتم 2/ 297، ولكن جاء بمعناه عند الإمام أحمد 6/ 116: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ:"لتعلم زفر أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة"، قال ابن كثير (التفسير 2/ 199) :"أصل الحديث مخرج في الصحيحين والزيادة لها شواهد من طرق عدة".

(2) حديث بريدة بن الحصيب في صحيح مسلم 4/ 1770، ورواه غيره.

(3) رواه ابن حبان في صحيحه 9/ 479، والحاكم في مستدركه 4/ 190، وروى نحوه أبو داود في السنن 2/ 244، وابن ماجة 1/ 595، ومسند أحمد 4/ 381، ورواه غيرهم وقد صححه الألباني في الإرواء 7/ 55 - 56 وأدب الزفاف 178 والصحيحة 1203 وغيرها.

(4) صحيح البخاري 1/ 450، ومسلم 1/ 376، ورواه غيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت