فخيارات دعاة العولمة الجديدة محدودة، إما أن تكون تبعًا، وإما تكون غيرًا، وإذا كنت غيرًا فأنت حضارة أخرى تجري عليك نظرية"صراع الحضارات"التي أعدت في الكابيتول هول وروج لها (صمويل هنتنجتون) في كتابه الشهير، وحلم بنتيجتها (فوكوياما) في نهاية التاريخ.
وأما مفكروا أهل الإسلام فهم على ثقة من أنه متى ما أصغت الآذان، وحضرت العقول، وأحضرت الحجج، فإن العالم لن يرضى بغير الإسلام بديلًا، فإن فيه ذكرى (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) .
العلاقة بين الثقافة الإسلامية والعولمة:
إن الله هو رب العالمين، والدين الذي ارتضاه للعالم هو الإسلام (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [1] ، وقد بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فأدى الرسول الكريم رسالة ربه، فخاطب العرب والعجم، بل دعا الثقلين، ثم أخبر من لا ينطق عن الهوى بأن دين هذه الأمة ظاهر، وأنه أكثر الأنبياء تبعًا.
فأمة الإسلام مبعوثة لتنقل ركنًا ركينًا من أركان الثقافة إلى البشرية بل إلى العالم، فقد قال الله تعالى عن نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين - لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين) [2] ومما قيل في معناها:"لينذر بهذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض" [3] .
وقال سبحانه: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين - إن هو إلاّ ذكر للعالمين) [4] ، (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلاّ ذكر للعالمين) [5] ، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [6] ، وقال سبحانه: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) [7] ، (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [8] .
وفي حديث الصحيحين: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي) قال صلى الله عليه وسلم: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) [9] .
فاستجاب نبينا صلى الله عليه وسلم لأمر ربه وبدأ بدعوة قومه، فاستجابة له قلة وجمع من الضعفاء على استخفاء، أما الأقوياء والكبراء فقد فرحوا بما عندهم من العلم، (وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين) [10] فجاهروا بصريح العداء، وزعموا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم معتقدات (راديكالية) بالية، لها جذور قديمة، لا أساس لها من الصحة (إن هذا إلاّ خلق الأولين) [11] ، (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا) [12] .
ولكن سنة الله في الأمم تمضي فما هي إلاّ سنوات قلائل حتى تغيرت الحال، ومما امتن الله به على عباده المؤمنين: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) [13] .
وتنفيذًا لأمر الله لم يكتف صلى الله عليه وسلم، بدعوة من بدأ بهم من عشيرته الأقربين، فدعا قومه ثم سائر العرب، بل خاطب الأمم والشعوب ممثلة في عظمائها، وكان من ثمرات ذلك إسلام بعضهم كالنجاشي بأرض الحبشة، وإقامة جسور للدعوة بأرض مصر عن طريق الاتصال بمقوقسها، أما كسرى فمزق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فمزق الله ملكه، وعظيم الروم آثر اتباع الهوى من بعد ما تبين له الحق.
ولأنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين لم يكتف بدعوة البشر بل دعا صلى الله عليه وسلم الجن أيضًا فانقسموا (فمن أسلم فأولئك تحروا رشدًا) [14] ، (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا
(1) سورة آل عمران: 85.
(2) سورة يس: 70 - 71.
(3) تفسير ابن كثير 3/ 581.
(4) سورة ص: 87.
(5) سورة يوسف: 104.
(6) سورة الأنبياء: 107.
(7) سورة الفرقان: 1.
(8) سورة سبأ: 28.
(9) حديث جابر رواه البخاري 1/ 128، ومسلم 1/ 370.
(10) سورة سبأ: 35.
(11) سورة الشعراء: 137.
(12) سورة الفرقان: 5.
(13) سورة الأنفال: 26.
(14) سورة الجن: 14.