الصفحة 20 من 53

ومع أن واقع الدول الإسلامية بعيد كل البعد عن تمثيل من ينعت بالأصولية الإسلامية! بخلاف بعض الدول الأخرى التي نجد للتيارات الأصولية دورًا فاعلًا فيها، فتنامي دور الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة، واليهودية في إسرائيل، والهندوسية في الهند، لا يجوز غض الطرف عنه، فإن تأثيرها على القرار السياسي أصبح قويًا في تلك البلدان، كما أن تأثير الاشتراكية كان و لا يزال في دول أخرى، في حين أن ما يسمى بالأصولية الإسلامية مازالت خارج دائرتي، التمثيل الثقافي الرسمي، والقرار السياسي، بل هي قوى مطاردة في العالم العربي على الأقل [1] .

مع كل هذا فإن هؤلاء (المفكرون!) يتصورن أن مشكلة المسلمين في النظام الإسلامي الجذري أو (الراديكالي) كما يقولون!

إن هذا التصور الخاطئ يمثل أول الإشكالات التي تكتنف العولمة.

والإشكال الثاني هو في إصرار الباحثين الغربيين على اعتبار التغريب معيارًا وحيدًا للحداثة، التي ينبغي أن يتبناها العالم ليصل إلى الرقي والتحضر.

والإشكال الثالث: هو اعتبارهم أن الحداثة هي الثقافة التي يجب أن تفرض على الجميع. وأخيرًا الإشكال الكبير وهو عدم اكتشاف هؤلاء لما يعيشونه من وهم ومشاكل كبرى بسبب الشق الآخر من الحداثة. فالحداثة جزآن جزء يدعو إلى التطور والتقدم في مجالات العلوم التطبيقية وآلاتها، وجزء يدعو إلى التحلل والتفسخ من روابط و قوانين الأديان ومعتقداتها، وما يريدونه منا هو أن نأخذ الحداثة بجزئها الثاني ولا أظن أنه يعنيهم كثيرًا أخذنا لجزئها الأول ولا أقول أو تركه، فهم لا يدعون إليه ولا يقدمونه، وإنما هو علم (باطن) لا يمكن أن يناله إلاّ من (اصطفوه) والأصل أنه محتكر ضمن أروقة المؤسسات الكبرى.

إن مشكلة الثقافة الإسلامية الحقيقية مع الغرب بل مشكلات الثقافات والحضارات الأخرى مع هؤلاء هي في رفضهم الاعتراف بشرعية النموذج الحضاري الذي يحاول أن يبني نفسه على نحو مستقل، يرفض تجارب الاستنساخ الغربية، فضلًا عن أن تكون لهم أذن يصغون بها لما يقدمه الآخر (غير الغربي) ، أو عقول حاضرة تقيم ما يقول!

(1) مستفاد من مقال جيد للأستاذ فهمي هويدي، بعنوان: خطأ في التشخيص وفي العلاج، نشر في الشرق الأوسط بتاريخ 24/ديسمبر/2001.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت