( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) .
أمانيهم فيها الهلاك ومالهم من أسرها فكاك.
فما حال دار أماني أهلها إذا تمنوا فيها الموت ؟
ما حال دار أماني أهلها إذا تمنوا فيها أن يموتوا ؟
كيف بك إذ رأيتهم وقد اسودت وجوههم فهي أشد سوادا من الحمم.
وعميت أبصارهم، وابكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، يمشون على النار بوجوههم ويطئون حسك الحديد بإحداقهم.
ينادون من أكنافها ويصيحون من أقطارها:
( يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تفتت من الكبود، يا مالك العدم خير من هذا الوجود) .
فيجيبهم بعد آلف عام بأشد وأقسى خطاب وأغلظ جواب:
( إنكم ماكثون ) .
فينادون ربهم وقد أشتد بكائهم وعلا صياحهم وارتفع صراخهم:
(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) .
فلا يجيبهم الجبار جل جلاله إلا بعد سنين، فيجيبه بتوبيخ أشد من العذاب:
( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) .
فعند ذلك أطبقت عليهم النار وغلقت فيئس القوم بعد تلك الكلمة أيما إياس، فتزداد حسراتهم وتنقطع أصواتهم، فلا يسمع لهم إلا الأنين والزفير والشهيق والبكاء.
يبكون على تضييع أوقات الشباب.
ويتأسفون أسفا أعظم من المصاب.
ولكن هيهات هيهات، ذهب العمل وجاء العقاب.
لقد خاب من أولاد أدم من مشى إلى النار مغلول القيادة أزرقا
يساق إلى نار الجحيم مسربلا سرابيل قطران لباسا محرقا
إذا شربوا منها الصديد رأيتهم يذوبون من حر الصديد تمزقا
ويزيدهم عذابهم شدة، وحسرتهم حسرة تذكرهم ماذا فاتهم بدخول النار.
لقد فاتهم دخول الجنان، ورؤية وجه الرحمن، ورضوان رب الأرض والسماء جل جلاله.