الصفحة 8 من 40

فقهاء الشافعية: إذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر، وعلى الوجهين جميعًا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول إليه بلا خلاف، حتى لو كانت ببطنه أو برأسه مأمومة، وهي الآمة، فوضع عليها دواء فوصل جوفه، أو خريطة دماغه أفطر، وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة، وسواء كان الدواء رطبًا أو يابسًا عندنا" [1] قلت: يظهر من كلام ابن قدامة أن مقصوده بالجوف كل ما هو مجوف في البدن وفرَّع عليه كلًا من المعدة (الأمعاء) والمهبل والدماغ وجوف الصدر وجوف البطن، في حين فصل الإمام النووي تفصيلًا دقيقًا حين ذكر في ضبط باطن البدن أنه"ما يقع عليه اسم الجوف أو يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء"، ومع أنه رجح الأول فإن يظهر والله تعالى أعلم أنه قد اقترب كثيرًا رحمه الله تعالى من تحرير الضابط الذي يدور عليه مجمل الاختلاف في مسألة الداخل، واللطيف حقًا أن ما ذكره من اعتبار القوة التي تحيل الواصل إلى باطن البدن من دواء أو غذاء هو ما نعرفه اليوم يقينًا من علوم الطب ووظائف الأعضاء عن امتصاص المواد واستحالتها وتمثيل البدن لها ووصولها إلى معظم إن لم يكن كل البدن بغض النظر عن الطريق الذي نفذت منه إلى الباطن، والغريب حقًا أن ينشغل المعاصرون من الأطباء والفقهاء بالتشريح الظاهري للبدن والذي يظهر لنا أن القدماء كانوا على إطلاع دقيق عليه ويغفلوا عن هذا الوصف الذي ذكره الإمام النووي وأثبته الطب اليوم بما هو محسوس معلوم يقينًا من أن المادة التي تصل إلى الباطن سواء أكانت تحت الجلد أم في العروق أم في الدبر أم في العظم أم في العضل أم في الدماغ أن ذلك كله يحيله البدن ويتوزع في سائره بسرعة قد تجاوز سرعة وصولها عن طريق الفم والمعدة، وأظهر ما يدل على هذا ما يعرف اليوم بطب النظائر المشعة حيث تحقن مادة ما في الجسم بحيث تكون هذه المادة مشعة ويمكن تتبع سيرها في أعضاء الجسم فتارة تحقن المادة في وريد المرفق فتجدها في سائر عظام البدن وتارة تحقنها في المثانة فتجدها في حويضة الكلية، وهكذا، بل إن بعض التسممات الدوائية التي تحدث عن طريق إعطاء جرعة إضافية عبر الأوعية الدموية (ما يعرف بالحقن الوريدية) يمكن تخليص الجسم منها عن طريق إعطاء مادة الفحم عبر المعدة والأمعاء بحيث يمتص الفحم الدواء المحقون وريديًا لأنه يصل إلى تجويف الأمعاء عبر الدورة الدموية. هذا ويمكن أن نخلص من كلام النووي رحمه الله أن بين الجوف والباطن عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل جوف من البدن يكون في الباطن وليس كل ما في الباطن جوفًا، وإن التعويل على مصطلح الباطن هو ما تطمئن النفس إلى التزامه وسأبين لاحقًا إن شاء الله ضابطه والدليل عليه."

ثم إن نصوص الفقهاء قد تناولت جملةً من الصور الأخرى المتفرعة على مسألة دخول باطن البدن، تأمل مثلًا قول الإمام النووي:"إذا قطر في إحليله شيئًا، ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلًا [2] ، ففيه ثلاثة أوجه (أصحها) يفطر وبه قطع الأكثرون لما ذكره المصنف [3] (والثاني) لا (والثالث) إن جاوز"

(1) المجموع - الموضع السابق

(2) أي أدخل فيه مسبارًا

(3) يعني صاحب المتن المشروح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت