إن هذه الرسالة ليست بحثًا فقهيًا موسعًا وليست دعوى الإتيان بجديد، وإنما هي ترتيب موجز منضبط جمع فيه شتات المسائل بعد مراجعة أقوال المتقدمين والمتأخرين والمحاولة قدر الإمكان التأمل في أصولهم وضوابطهم التي خرَّجوا المسائل عليها دون تعصب لمذهب بعينه، وإنما كان الشغف منصرفًا للأرجح بالدليل من المذاهب الأربعة، والجهد منصبًا على عدم التناقض في أحكام المسائل. وتتألف هذه الرسالة من قسمين أولهما عبارة عن استعراض للضوابط الفقهية المستنبطة من النصوص التي بنى عليها الفقهاء والتي تم تخريج المسائل عليها، وثانيهما استعراض لأفراد المسائل الطبية في صيغة سؤال وجواب هي الصيغة المقترحة لخطاب المرضى ولهذا جاءت في معظم الأحيان عارية عن ذكر الأدلة اللهم إلا ما احتاج إلى رفع إشكال أو توهم خاطئ، على أن يكون القسم الأول من الرسالة متاحًا لمن شاء مراجعة تفصيل الضوابط المخرجة عليها هذه المسائل. ولقد راعينا في إجابات الأسئلة التنبيه على وجود اختلاف المذاهب الأربعة مع التنبيه عليه حتى لا يتوهم الإجماع فيما ليس محل إجماع، كما أن التنبيه على وجود الخلاف في المسألة يراد منه الاحتراز من الإنكار على المخالف في مسائل اجتهادية ليست بمحل إنكار على التفصيل المعروف عند العلماء في ضوابط الإنكار على المخالف، ولكن أنبه على مسألة وهي اجتناب التلفيق فلا يحل لمسلم أن يتخير من جزئيات الفتوى وأقوال المذاهب ما يروق لباله فيقع في التعارض والتناقض واتباع الهوى، وذلك مثل من يأخذ باجتهاد بعض الفقهاء في الوضوء ويأخذ بغيرها في الصلاة، وإنك ترى في هذه الرسالة أن إجابات المسائل الجزئية كلها تنضبط وفق الأصول والضوابط التي وضعها الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى، بحيث لا يتعارض جواب مسألة جزئية مع أخرى إن شاء الله، وكوننا نبهنا على القول المخالف غايته أن يعلم القارئ وجود القول المخالف فيرجع إلى من يرجع إليه من أهل العلم ويحرر كل مسائل الباب على أصل واحد منضبط، أما أن يأخذ جوابًا من هنا وآخر من هناك بحيث تتعارض أصول الجواب الأول مع الثاني فليس إلا محض الهوى نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك.
وأخيرًا أتقدم بجزيل الشكر لفضيلة الشيخ الدكتور محمد سليمان فرج وفضيلة الشيخ الدكتور نوح علي القضاة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأبوظبي على مراجعة هذه الرسالة وتقديمهما لملاحظاتهما وتعليقاتهما وتوجيهاتهما القيمة، سائلًا المولى عز وجل أن يوفقنا جميعًا لخدمته، وأن يجعل ما حررناه وكتبناه خالصًا لوجه الكريم موجبًا لرضوانه العظيم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فصل
الضوابط الفقهية للمفطرات