وعلق الميكرفون على صدره .. ثم أخذ يقرأ من نونية ابن القيم..
بصوت جمع بين العذوبة والرقة ، وجمال الأبيات التي نظمها ابن القيم رحمه الله..
لقد كانت تلك المنظومة مع أنها تحوي ردودا علمية رصينة إلا أنها...
حوت حكما ومواعظ وطرائف لا يتقن نظم قلائدها سوى مثل ابن القيم وكفى به !!
لاحظت رجلا أفغانيا ذو عمامة عريضة ويلبس المرآة يجلس عن يمين الشيخ..
و لاحظت الشيخ يستأنس كثيرا بالحديث معه أو مناقشته ..
وكانت أسئلته وركاكة لسانه الأعجمي تثير ضحك الطلاب ..
كنا نستأنس ونفرح حينما يسأل هداية الله لأن شيخنا يسر بذلك ..
ومع عجمته وصعوبة النطق بالعربية لديه حيث انه لا يتكلم سوى بالفصحى المكسرة..!!
إلا أن الرجل قد أتقن علوم الآلة من نحو وأصول وأصول تفسير ، بشكل شبه كامل..
أذكر في درس الفرائض من متن البرهانية المسألة العنقودية والتي لم يستطع حلها سوى
هداية الله !!
وهي مسألة شائكة ومعقده لا يقدر عليها سوى الراسخين في الحساب والفرائض..
كان هداية الله هذا يسجل دروس الشيخ في مسجل صغير..
ثم يرجع لغرفته فيغلق الباب على نفسه ..
فلا ينام حتى ينسخ ذلك الشريط على دفتر خاص ثم يترجمه من فوره للغته الأفغانية!!
و هذا ما يفعله كل ليلة طوال ست سنوات جاورته وخبرت حاله..!!
انتهى الدرس وتوجهنا للمصلى وكنت وضعت كتابا بجوار المؤذن لكي أصلي مكانه..
صليت خلف شيخنا .. وبعد السلام ..تحلق مجموعة من الناس حول الشيخ ..
كما هي العادة في كل صلاة سوى صلاة الفجر والمغرب..
ثم قام الشيخ وخرج من المسجد لحقته مع الناس وذلك بقصد الفضول فقط ..
كنت أسير بمحاذاة الشيخ واستمع لأسئلة الطلبة والمستفتين..
ولقد فاجأني الشيخ حينما التفت إلي وقال:
يبدوا أنك تريد العلم والتحصيل !!
كانت غير متوقعة والله ..
ثم قال الشيخ .. هل نزلت في السكن؟
قلت: نعم..
كان الطلبة يراقبون هذا الموقف وقلوب بعضهم تخفق من الغيرة من هذا الحوار
الخاص!! والنموذجي!!