كل شيء حتى الحوت في البحر"، فيا لها من مرتبة ما أسناها، ومنزلة ما أرفعها وأعلاها، يكون المرء مشتغلاً بأمر دنياه وصحف حسناته متزايدة وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب هذا سر قوله"من يرد اللّه به خيراً يفقهه في الدين"، ولولا العلماء الذين يتلقون العلم ويعلمونه الناس ويبينون الحلال من الحرام جيلاً بعد جيل لهلكت الناس والدواب والأنعام حتى حيتان البحر وضاع الدين واضمحل العدل فحق لهم أن يستغفروا له. اهـ."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها، قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . البقرة (3) ، قال إن من أعظم النقفة نفقة العلم أو نحو هذا الكلام. وفي أثر"آخر نعمت العطية ونعمت الهدية الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم"، وفي أثر"آخر عن أبي الدرداء ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له مؤمنين فيتفرقون وقد نفعهم الله بها أو ما يشبه هذا الكلام"، وعن كعب بن عجرة قال: ألا أهدي لك هدية فذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"قال أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علما ثم يعلمه أخاه المسلم". وقال معاذ بن جبل:"عليكم بالعلم فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح"، ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء وعكسه كاتموا العلم فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، قال طائفة من السلف إذا كتم الناس العلم فعمل بالمعاصي احتبس القطر فتقوم البهائم اللهم عصابة بني آدم فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم، وإذا كان علم الإنسان بكونه عالما مرجعه إلى وجوده ذلك وإحساسه في نفسه بذلك وهذا أمر موجود بالضرورة لم يكن لهم أن يخبروا عما في نفوس الناس بأنه ليس بعلم بغير حجة فإن عدم وجودهم من نفوسهم ذلك لا يقتضي أن الناس لم يجدوا ذلك لا سيما إذا كان المخبرون يخبرون عن اليقين الذي في أنفسهم عمن لا يشكون في علمه وصدقه ومعرفته بما يقول وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري. اهـ. مجموع الفتاوى (4/ 41ـ42) .
الفصل الرابع