الوالدة وقفت إلى جانب سريره ، كأني بها تنادي .. ولا رجع صدى . في عينيها حديث طويل ، عبّرت عنه رعشة كفها ، وهي تضعها على جسده .. عند كتفه العاري .. تتحسس نبض الحياة ، لرجل طالما منحها الأمان .. و تَحَسَّتْ في كنفه طعم الرجولة . بدت .. بجسمها الصغير ، وهي تنحني عليه ، مثل حمامة مبتلة ، واقفة على باب وكرها .. غادرها شريكها ، في ليلة سوداء شاتية ، مطيرة .. وحيدة لها نواح .
السبت 16 رمضان 1425هـ:
هذا صباح آخر .. يمضي بدونك ..
أعتدت أن أمر عليه كل صباح ، أو أغلب أيام الأسبوع . الساعة العاشرة ، حين اتصلت أسأل عنه .. كان قد مرّ أكثر من 30 ساعة ، على دخوله حالة اللاوعي . ذكرت الممرضة ، أن حاله كما هي لم تتغير .. ما زالت حرجة ، وإن كانت تنحو نحو الاستقرار . ثم قالت كلامًا لم أتبيّنه ، بسبب حديثها بلغة إنجليزية ، تغلب عليها لهجتها المحلية .
جئت في موعد الزيارة الأول . وجدتهم يحيطون به .. الطبيب ، وعدد من المساعدين ، والممرضات . كانوا يتهيأون لنقله . سألت الطبيب عن الأمر ، فأجاب أن ضربات القلب غير منتظمة .. مما سبب له أزمة جديدة ، وأنه سيأخذه إلى غرفة العمليات ، لوضع منظم يضبط حركة القلب ، ويمنع تكرار المشكلة .
ألقيت عليه نظرة ، وهممت أن أقبل جبينه .. لكن الممرضة دفعت السرير ، باتجاه المخرج ، الذي يؤدي لغرفة العمليات . سِرْتُ إلى جانب السرير ، وأنا أتأمله: كم ذا .. لُذْتُ بهذا الصدر العامر ، الذي أصبح مرتعًا للألم .. ولأجهزة تمنحه الأمل .. بـ ( حياة ) . القلب الذي كان ( الأمل ) ، و ( الحياة ) لكثيرين .. يفرّون إليه من الألم ، صار ( يلوذ ) بجهاز ، يمنحه ( حياة ) ، ليمنح ( الأمل ) لآخرين ..
في المساء لم يتغير شيء . أخبرني طاقم التمريض ، أن الجهاز .. منظّم ضربات القلب ، الذي تم غرسه