ظل يتحدث لأكثر من ساعة ، وكان ثمة تواقيع لألم .. بقيت متناثرة على محيّاه . هو نفس الرجل العملاق ، الذي جاءني في السجن قبل سنوات ، بُعَيد الرحيل الملحمي .. لعبد الله ( رحمه الله ) .. وكنت على شفير وحشة ، تدق قلبي مطارق الألم ، وتعصف بكياني أنواء الفجيعة . غرس قبضة يده في عضدي .. وقال:
-اثبت ..
لم يبق في الخيال ، من ذلك الموقف ، إلا قامته .. التي شمخت أمامي مثل جبل ، والصمود الذي ضخته عزيمته الجبّارة ، في روحي المأزومة .. وما زلت أقتات عليه من سنوات . كان مؤمنًا ، قويا .. ومذهلًا .
ودعته وخرجت .
الجمعة 15 رمضان 1425هـ:
الساعة الثالثة فجرًا ، ينتفض جوّالي .. كنت قد جعلته على ( الصامت ) . بين يدي أوراق ، وضعتها جانبًا .. والتقطته . تأملت الشاشة .. كانت أمي .
-السلام عليكم .. هلا أمي ..
-محمد .. أبوك تعبان ..!
ارتديت ملابسي ، وانحدرت سريعًا . حين وصلت ، كان يجاهد ، لينتزع من فضاء واسع حوله .. نسمة هواء . يضع يده على صدره ، ويستجمع قوى جسد نحيل ، عصف به ثالوث التوحش: الشيخوخة ، والأمراض .. والابتلاءات . لم تكن مظاهر الشيخوخة ، وأعراض المرض لتتوارى ، أو يكن قادرًا على إخفائها . بقيت تلك الأشياء .. التي يتحكم بها عظماء الرجال ، فتفتك بهم . سهام البلاء ، إذ تنشب نصالها ، بأفئدة الرجال وأرواحهم ، فيقاومون عواصفها الهوجاء ، بهامات لا تنحني .. وشيمة الصبر .. والألم المتشظي ، يمور في الحنايا .
-سلامات ..
لم يرد .. أومأ برأسه . أحضرت حذاءه ، وقلت:
-نمشي للمستشفى ..