فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 2 من 19

ظل يتحدث لأكثر من ساعة ، وكان ثمة تواقيع لألم .. بقيت متناثرة على محيّاه . هو نفس الرجل العملاق ، الذي جاءني في السجن قبل سنوات ، بُعَيد الرحيل الملحمي .. لعبد الله ( رحمه الله ) .. وكنت على شفير وحشة ، تدق قلبي مطارق الألم ، وتعصف بكياني أنواء الفجيعة . غرس قبضة يده في عضدي .. وقال:

-اثبت ..

لم يبق في الخيال ، من ذلك الموقف ، إلا قامته .. التي شمخت أمامي مثل جبل ، والصمود الذي ضخته عزيمته الجبّارة ، في روحي المأزومة .. وما زلت أقتات عليه من سنوات . كان مؤمنًا ، قويا .. ومذهلًا .

ودعته وخرجت .

الجمعة 15 رمضان 1425هـ:

الساعة الثالثة فجرًا ، ينتفض جوّالي .. كنت قد جعلته على ( الصامت ) . بين يدي أوراق ، وضعتها جانبًا .. والتقطته . تأملت الشاشة .. كانت أمي .

-السلام عليكم .. هلا أمي ..

-محمد .. أبوك تعبان ..!

ارتديت ملابسي ، وانحدرت سريعًا . حين وصلت ، كان يجاهد ، لينتزع من فضاء واسع حوله .. نسمة هواء . يضع يده على صدره ، ويستجمع قوى جسد نحيل ، عصف به ثالوث التوحش: الشيخوخة ، والأمراض .. والابتلاءات . لم تكن مظاهر الشيخوخة ، وأعراض المرض لتتوارى ، أو يكن قادرًا على إخفائها . بقيت تلك الأشياء .. التي يتحكم بها عظماء الرجال ، فتفتك بهم . سهام البلاء ، إذ تنشب نصالها ، بأفئدة الرجال وأرواحهم ، فيقاومون عواصفها الهوجاء ، بهامات لا تنحني .. وشيمة الصبر .. والألم المتشظي ، يمور في الحنايا .

-سلامات ..

لم يرد .. أومأ برأسه . أحضرت حذاءه ، وقلت:

-نمشي للمستشفى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت