إن عقد مقارنة بين حياة مصيرها الزوال وبين حياة أخرى دائمة لا تنتهي هي مقارنة لا تستقم، لأن المقارنات غالبًا ما تكون بين شيئين قائمين بذاتهما، فإن الدنيا في الآخرة لن تكون أكثر من أثر بعد عين وصور لا حياة فيها، ولأن المنقضي كالمعدوم فإن نسبة الدنيا إلى الآخرة كلا شئ إلى ما لا نهاية مصداقًا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم، فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا"53، وكما قال أيضًا:"ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط وغُمس في البحر من مائه"54.
لذا فإن تفضيل الدنيا وإهمال العمل للآخرة هو الدليل العملي على عدم الإيمان أو الشك في يوم القيامة، وهو دأب الكفار والمنافقين الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه العزيز فقال عنهم:
(ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون( النحل 107-108.
وعلى العكس من ذلك، فإن المؤمنين الصادقين استشعروا الفرق بين نعيمي الدنيا والآخرة وعلموا أن نعيم الدنيا مهما كبر وعظم، فإنه سينسي تمامًا يوم القيامة وفقًا لما رويُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة - غمسة - ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟، فيقول: لا والله يارب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط"55.
وصدق الشاعر إذ يقول:
هب الدنيا تساق إليك عفوًا
وما الدنيا إلا كظل أتاك حينًا
أليس مصير ذاك إلى انتقال
ثم سار إلى زوال
وأما نعيم الآخرة فهو دائم متجدد مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: