ولابد من الإشارة إلى أن ذا الرمة بحكم بدويته أكتسب سليقة لغوية بدوية وفصاحة نقية، وثروة ضخمة من الألفاظ والتراكيب اللغوية العربية النقية، وهذا ما منحه دراية عميقة بطبيعة اللغة وأسرارها الدقيقة، وكان اللغويون يأخذون عنه اللغة ويستشهدون بشعره، ويسألونه عن بعض المعاني الغامضة، ويصححون بشعره ما يقع فيه بعض الشعراء من أخطاء [1] ، وكان الأصمعي يعتمد على شعره في تفسير غريب اللغة [2] .
وبطبيعة الحال فأن ذلك العلم باللغة وأسرارها ومعانيها لم يكن إلا تأثرًا طبيعيًا بالبيئة الثقافية التي كان يعيش فيها ذو الرمة، حيث البادية وفصاحة
أهلها، إذ كانت وما تزال البادية البيئة التي تمثل فصاحة العرب وسلامة لغتهم.
كما أتاحت تلك البيئة لذي الرمة إيجاد صلة شديدة الآصرة بينه وبين نماذج الشعر العربي القديم الذي ورثته البادية عن شعرائها تراثًا تعتز به وتحرص
عليه، فكان واسع الإطلاع عليه، عميق الإحساس به [3] ، وفي هذا الإطار يمكن تأكيد عوامل بعينها كان لها دخل كبير في تعميق صلة الشاعر بالتراث الشعري القديم، يأتي في مقدمتها تعدد زيارات ذي الرمة إلى العراق، إذ كان يتردد على زيارة مدينتي البصرة والكوفة، حيث المربد والكناسة، وكانت هاتان المدينتان أكبر مركزين ثقافيين في العالم الإسلامي، وكان يلتقي في هذين المركزين عدد غير قليل من الرواة والشعراء واللغويين والنحويين، ولم يكن ذو الرمة بمعزل عن هذا النشاط الدؤوب بل كان قريبًا منه [4] ، فضلًا عن عامل آخر مهم أثرى اطلاع ذي الرمة على التراث الشعري القديم، ذلك هو اجادته القراءة والكتابة، على الرغم من أنه كان حريصًا على الظهور بمظهر البدوي الأمي الذي لا يجيد القراءة والكتابة [5] ، إلا ان الأمر الذي لا شك فيه انه كان يجيد القراءة والكتابة، وهو ما تؤكده أخباره التي
(1) ينظر: ذو الرمة شاعر الحب والصحراء، يوسف خليف، 362 - 365.
(2) ينظر: أمالي القالي، القالي، 1/ 158، 159، 185، 2/ 54، 240.
(3) ينظر: ذو الرمة شاعر الحب ... ، يوسف خليف، 365.
(4) المصدر نفسه، 365.
(5) الأغاني، الأصفهاني، 16/ 116؛ المزهر في اللغة، السيوطي، 2/ 220.