لَيْسَ فِي الدُّنْيَا والآخرةِ شرٌّ أصلًا إِلاَّ الذنوبُ وعقوباتُها، فالشرُّ اسمٌ لذلك كلِّه، وأصلهُ مِنْ شرِّ النَّفْسِ وسيئاتِ الأعمالِ، وهما الأصلانِ اللذانِ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يستعيذُ منهما فِي خطبتِهِ بقولهِ: ( وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ) ، وسيئاتُ الأعمالِ مِنْ شرورِ النَّفْسِ، فعادَ الشرُّ كلُّه إِلَى شرِّ النَّفْسِ، فإنَّ سيئاتِ الأعمالِ مِنْ فروعِهِ وثمراتِهِ.
وَقَدْ تضمَّنَتْ الاستعاذة جميعَ الشرِّ، فإنَّ شرورَ الأنفسِ تستلزمُ الأعمالَ السّيئةَ وَهِيَ تستلزمُ العقوباتِ السّيئةَ، فنبَّه بشرورِ الأنفسِ عَلَى مَا تقتضيهِ مِن قُبْحِ الأعمالِ، واكتفى بذكرِها مِنْهُ؛ إِذْ هُوَ أصلهُ، ثُمَّ ذكرَ غايةَ الشرِّ ومنتهاهُ وَهِيَ السيئاتُ الَّتِي تسوءُ العبدَ مِنْ عملهِ، مِنَ العقوباتِ والآلامِ. فتضمنَتْ هَذِهِ الاستعاذةُ أصلَ الشرِّ وفرعَهُ وغايَتَهُ ومقتضاهُ. [الدّاء والدّواء (ص 113-114) ]
فالذنبُ لاَ يخلو من عقوبةٍ ألبتَّةَ؛ ولكنْ لجهلِ العبدِ لاَ يشعرُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ العقوباتِ، لأنَّهُ بمنزلةِ السكرانِ والمُخَدَّرِ والنائمِ الَّذِي لاَ يشعرُ بالألمِ؛ فَإِذَا استيقظَ وصحا أحسَّ بالألمِ؛ فَتَرَتُّبُ العقوبَاتِ عَلَى الذنوبِ كَتَرَتُّبِ الإحراقِ عَلَى النّارِ، والكسرِ عَلَى الانكسارِ، والغرقِ عَلَى الماءِ، وفسادِ البدنِ عَلَى السمومِ، والأمراضِ عَلَى الأسبابِ الجالبةِ لَهَا.