الثَّالِثُ: أَنْ يُحاسِبَ نفسَهُ عَلَى أَمْرٍ مُباحٍ أَوْ مُعتادٍ: لَمَ فَعَلَهُ؟ وهل أَرادَ بِهِ اللهَ والدَّارَ الآخِرَةَ؟ فيكونَ رابحًا، أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا وعاجِلَها، فيَخْسَرَ ذَلِكَ الرِّبحَ ويَفوتَهُ الظَّفَرُ بِهِ!
ضررُ تَركِ المُحاسَبة:
وأَضَرُّ مَا عَلَيهِ الإِهمالُ، وتركُ المُحاسبَةِ، والاسترسالُ، وتسهيلُ الأُمورِ، وتمشِيَتُها؛ فإِنَّ هَذَا يَؤولُ بِهِ إِلَى الهلاكِ، وهذه حالُ أَهلِ الغُرورِ؛ يُغْمِضُ عينَيْهِ عنِ العواقِبِ، ويُمَشِّي الحال، ويَتَّكِلُ عَلَى العَفْوِ، فيُهْمِلُ مُحاسَبَةَ نفسِهِ والنَّظَرَ فِي العاقبةِ، وإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيهِ مواقَعَةُ الذُّنوبِ، وَأَنِسَ بِهَا، وعَسُرَ عَلَيهِ فِطامُها، ولو حَضَرَهُ رُشْدُهُ لَعَلِمَ أَنَّ الحِمْيَةَ أَسْهَلُ مِن الفِطامِ، وتركِ المألوفِ والمُعتادِ.
وجِماعُ ذَلِكَ: أَنْ يُحاسِبَ نفسَهُ أَوَّلًا عَلَى الفرائِضِ، فإِنْ تَذَكَّرَ فِيهَا نَقْصًا تَدَارَكَهُ، إِمَّا بقضاءٍ أَوْ إِصلاحٍ.
ثمَّ يُحاسِبُهَا عَلَى المنَاهي، فإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ ارتَكَبَ مِنْهَا شيئًا تدارَكَهُ بالتَّوبةِ والاستغفارِ والحسناتِ الماحِيَةِ.
ثمَّ يحاسِبُ نفسَهُ عَلَى الغَفْلَةِ، فإِنْ كَانَ قَدْ غَفِلَ عمَّا خُلِقَ لَهُ؛ تدارَكَهُ بالذِّكْرِ والإِقبالِ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
ثمَّ يحاسِبُها بِمَا تكلَّمَ بِهِ، أَوْ مَشَتْ إِلَيْهِ رجلاهُ، أَوْ بَطَشَتْ يداهُ، أَوْ سمعَتْهُ أُذناهُ: مَاذَا أَرَادَتْ بهذا؟ ولمَنْ فَعَلَتْهُ؟ وعلى أَيِّ وجهٍ فَعَلَتْهُ؟
فالأَوَّلُ: سؤالٌ عن الإخلاصِ.
والثَّاني: سؤالٌ عن المُتابَعَةِ.
وقال تَعَالَى: (( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلونَ ) ) [الحجر: 92-93] .