فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 174

الثلاثة، فلا مخلوق يفتح فمه بكلمة، ولا مخلوق يلقى كعبا بأنس، ولا مخلوق يأخذ منه أو يعطي، حتى ابن عمه وأحب الناس إليه، وقد تسور عليه داره، لا يرد عليه السلام، ولا يجيبه عن سؤال، فإذا أجاب بعد الإلحاح لم يطمئن لهفته ولم يسكن قلقه، إنما قال: «الله ورسوله أعلم» .

وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول الله قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها، ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة، ولم يكتب له الذبول والجفاف! وبينما هو طريد شريد، لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة - ولو على سبيل الصدقة - يجيئه من قبل ملك غسان كتاب يمنيه بالعزة والكرامة والمجد والجاه.،ولكنه بحركة واحدة يعرض عن هذا كله، وما يزيد على أن يلقي بالكتاب إلى النار، ويعد هذا بقية من البلاء، ويصبر على الابتلاء.

وتمتد المقاطعة فتعزل عنه زوجه، لتدعه فريدا طريدا من الأنس كله، مخلفا بين الأرض والسماء، فيخجل أن يراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأته، لأنه لا يدري كيف يكون الجواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت