هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا - كما رواها أحدهم كعب بن مالك - وفي كل فقرة منها عبرة، وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي، ومتانة بنائها، وصفاء عناصرها، ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة، ولتكاليف الدعوة، ولقيمة الأوامر، ولضرورة الطاعة.
فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة.
يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة، فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب، ولكن كعبا ما يلبث بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحس ما فعل، يشعره به كل ما حوله: «فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله» - يعني بمن عذر الله الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون.
فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزوة البعيدة الشقة، لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم