إن هذه العقيدة تعلم أصحابها - فيما تعلم - أن ليس لهم في أنفسهم شيء، فهم كلهم للّه وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له، ويتحركون له، ويقاتلون له، بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد، وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم، كائنا هذا القدر ما يكون.
فأما الذين تهمهم أنفسهم، وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم، ومحور اهتمامهم وانشغالهم .. فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان. ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا الموضع. طائفة الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم، فهم في قلق وفي أرجحة، يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح في تصورهم، ويرون أنهم دفعوا إلى المعركة دفعا ولا إرادة لهم فيها وهم مع ذلك يتعرضون للبلاء المرير، ويؤدون الثمن فادحا من القتل والقرح والألم .. وهم لا يعرفون اللّه على حقيقته، فهم يظنون باللّه غير الحق، كما تظن الجاهلية. ومن الظن غير الحق باللّه أن يتصوروا أنه - سبحانه - مضيعهم في هذه المعركة، التي ليس لهم من أمرها شيء، وإنما دفعوا إليها دفعا ليموتوا ويجرحوا، واللّه لا ينصرهم ولا ينقذهم إنما يدعهم فريسة لأعدائهم، ويتساءلون:
«هل لنا من الأمر من شيء؟» .