فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 26

ففي قوله عز من قائل: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ } إشارة رائعة إلى النظام المتوازن للماء على سطح الأرض، فكل قطرة ماء لها طريق محددة تسلكها، فهذه القطرة قد تكون في البحر ثم تتبخر ثم تسوقها الرياح لتتكثف وتتساقط على أرض ميتة فيحيي بها الله هذه الأرض، أو تختزن على شكل مياه جوفية أو تسقط كقطعة ثلج فوق القطب المتجمد، لقد قدَّر الله تعالى كل هذه الأشياء بنظام محكم.

ولذلك قال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } [المؤمنون: 18] . يقول ابن كثير: يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تُحصى في إنزاله القَطر من السماء بقدَر، أي بحسب الحاجة، لا كثيرًا فيُفسد الأرض والعمران، ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به [1] .

فمثلًا لو تأملنا إنزال الماء من الغيوم نجده بقَدَر، أي بكميات محسوبة لا تختل أبدًا، ولو تأملنا كميات المياه المتبخرة كل عام نجدها ثابتة أيضًا ومساوية للكميات الهاطلة.

ولو تأملنا نسبة الملوحة في ماء البحر نجدها ثابتة أيضًا ولا تتغير إلا بحدود ضيقة جدًا ومحسوبة، بل هنالك نظام دقيق تتغير فيه ملوحة البحار كل ألف عام. وهكذا يتجلَّى النظام في كل شيء نراه من حولنا [2] .

ولذلك نجد العلماء اليوم يدرسون قوانين حركة السوائل، وقوانين حركة الهواء والقوانين التي تحكم الكون وكل ما فيه، ويمكن القول بأنه لكل شيء في هذا الكون نظام وميزان، ولو اختل هذا الميزان لاختل النظام الكوني وفسدت السموات والأرض [3] .

(1) تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير، دار المعرفة، بيروت 2004.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت