والقدوة في تربية الصغار أهم من غيرها بكثير، فإن القدوة التي ينشأ فيها الطفل، هي التي تحدد نشاطه وتصرفاته واتجاهاته في مستقبل حياته في الأعم الأغلب، بإذن الله، لأن ما يثبت في نفسه في صغره، وينمو معه في منزل أبويه يُصبح عادة متمكنة فيه، يصعب تغييرهما، لذلك كان الواجب على الوالدين أن تكون تصرفاتهما كلها قدوة حسنة لأولادهما، مع التوجيه النظري والتعليم، وإذا ساءت القدوة لم ينفع التعليم، فإن الفعل يتمكن في النفس أكثر من التعليم، وبخاصة نفس الصغير الذي ولد على الفطرة، فإنه يعتاد على ما يشاهد من الأفعال، وما يسمع من الأقوال، لا سيما إذا كثرت أمامه حتى أصبحت عادة.
ولهذا ذكر الله المسلمين بأهمية القدوة الحسنة في رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال: (( لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أسْوَةٌ حَسنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الّله كَثيرا ) ) [الأحزاب: 21] .
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بالقول والفعل في الصلاة ويقول: (صَلّوا كما رأيتموني أصلي) [متفق عليه وهو في جامع الأصول (5/576) ] .
في الحج يقول صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) [مسلم وأبو داود، وهو في جامع الأصول (3/285) ] .
قال محمد قطب:"ومرة واحدة من القدوة السيئة تكفي، مرة واحدة يجد أمه تكذب على أبيه، أو أباه يكذب على أمه، أو أحدهما يكذب على الجيران، مرة واحدة، كفيلة بأن تدمر قيمة الصدق في نفسه، ولو أخذا كل يوم وساعة، يرددان على سمعه النصائح والمواعظ والتوصيات بالصدق، مرة واحدة كفيلة بأن تدمر قيمة الاستقامة في نفسه، ولو انهالت إلى سمعه التعليمات، مرة واحدة يجد في هؤلاء المقربين إليه نموذجًا من السرقة، كفيل بأن تدمر في نفسه قيمة الأمانة.. وهكذا في كل القيم والمباديء التي تقوم عليها الحياة الإنسانية السوية" [انظر منهج التربية الإسلامية (2/118) مع تصرف يسير] .