وعن ضخامة هذا الجهد العظيم الذي بذله النبي - صلى الله عليه وسلم -لإحداث هذا التحول في المجتمع العربي الجاهلي ، يقول إميل درمنغم:"إن النبي [- صلى الله عليه وسلم -] لم يعرف الراحة ولا السكون بعد أن أوحي إليه في غار حراء، فقضى حياة يعجب الإنسان بها، والحق أن عشرين سنة كفت لإعداد ما يقلب الدنيا، فقد نبتت في رمال الحجاز الجديبة حبة سوف تجدد، عما قليل، بلاد العرب وتمتد أغصانها إلى بلاد الهند والمحيط الأطلنطي. وليس لدينا ما نعرف به أن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] أبصر، حين أفاض من جبل عرفات (1) ، مستقبل أمته وانتشار دينه، وأنه أحس ببصيرته أن العرب الذين ألّف بينهم سيخرجون من جزيرتهم لفتح بلاد فارس والشام وأفريقية وإسبانية" (2) .
ويبين آرنولد توينبي (3) أن النبي قد كرّس حياته لتحقيق رسالته في كفالة مظهرين أساسيين في البيئة الاجتماعية العربية؛ هما الوحدانية في الفكرة الدينية، والقانون والنظام في الحكم."وتم ذلك فعلًا بفضل نظام الإسلام الشامل الذي ضم بين ظهرانيه الوحدانية والسلطة التنفيذية معًا.. فغدت للإسلام بفضل ذلك قوة دافعة جبارة لم تقتصر على كفالة احتياجات العرب ونقلهم من أمة جهالة إلى أمة متحضرة.. بل تدفق الإسلام من حدود شبه الجزيرة، واستولى على العالم السوري بأسره من سواحل الأطالسي إلى شواطئ السهب الأوراسي" (4) .
ثالثًا: تميز فكرة الأمة الإسلامية
(1) يقصد حجة الوداع، في اليوم التاسع من ذي الحجة، في العام العاشر من الهجرة (6مارس632 م)
(2) إميل درمنغم:حياة محمد
(3) آرنولد توينبي: المؤرخ البريطاني، الذي انصبت معظم دراساته على تاريخ الحضارات، وكان أبرزها مؤلفه الشهير (دراسة للتاريخ) الذي شرع يعمل فيه منذ عام 1921 وانتهى منه عام 1961، وهو يتكون من اثني عشر جزءًا عرض فيها توينبي لرؤيته الحضارية للتاريخ.
(4) سومر فيل، وإشراف: آرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ 10 / 381