مثال ذلك: قبول بيّنةٍ معاكسةٍ من المدَّعى عليه للترجيح بينها وبين بيّنة المدعي فإنه لا ينافي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ) ) (2) لأنّ هذا التدبير لا يمنع المدعي من الإثبات الذي منحه إيّاه النص، وإنما هو وسيلة لتمحيص البيّنات والقضاء بالأقوى.
الثاني: اجتهاد في قياس حكمٍ لا نص فيه على حكم منصوص عليه، أي هو اجتهاد في استنباط العلة من المنصوص عليه لتعديتها للفرع الذي لم يُنص على حكمه ليحكم عليه بحكمها، وهذا لا يجوز أن يُلجأ إليه إلا بعد ألا نجد حكم المسألة المبحوث عنها في الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لأنّ محل القياس إنما هو عند عدم النص.
-مسألة: هل الاجتهاد هو القياس ؟.
نص الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه ( الرسالة ) على أن الاجتهاد هو القياس (3) ، وقد اختلف الأصوليون في ذلك، فذهب أكثرهم إلى أن الاجتهاد يختلف عن القياس، وتأوّلوا كلام الشافعي أنه أراد أن كل واحد من الاجتهاد والقياس يُتوصّل به إلى حكمٍ غير منصوص عليه، قالوا: لأن الاجتهاد أعمُّ من القياس؛ لأنه قد يكون بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة، فالقياس أحد طرق الأدلة، فعلى ذلك يكون كل قياس اجتهاد وليس العكس، وهذا هو الراجح والله أعلم . (4)
ـــــــــــ
انظر: المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا 2/1016، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه للبورنو ص 331، أصول مذهب الإمام أحمد ص 719 .
رواه الترمذي ( 1342 ) كتاب الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه .
انظر: كتاب الرسالة ص 477 .
المبحث الثاني: معنى الفتوى وصفتها:
المطلب الأول: معنى الفتوى.
معنى الفتوى لغة: قال ابن منظور: أفتاه في الأمر: أبانه له، وأفتى الرجلُ في المسألة واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء .. وفتوى اسم يوضع موضع الإفتاء.