أما الأحكام العلمية التي يسميها بعض العلماء ( القطعيات ) وهي الأسس الكبرى التي يلتقي المسلمون عليها، ويبنون عليها وحدتهم مهما تناءت ديارهم وتنوّعت أجناسهم في مصادر الدين الأصليّة وأصوله المليّة، فتوحيد الله والشهادتان وأركان الإسلام ومعاقد الإيمان وركن الإحسان وأصول الشريعة وقواعدها الكلية والضروريات الخمس التي تدور على المحافظة عليها أحكام الشريعة، والأخلاقيّات والفضائل والمقدرات، وحجية الكتاب والسنة والإجماع؛ هي أمور مسلّمة، لا يتطرق إليها خلاف، ولا يحوم حولها اختلاف، وهي أوعية رحيبة تحوي جميع الفروع والجزئيات، وتصب فيها جميع المستجدات والواقعات.
وهذه المسلّمات بمنزلة الدِّين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد الخروج عليه ألبتة، فهي فوق مستوى الخلاف والجدل، فكل المسلمين يؤمنون بها، ويذعنون لها، ويرجعون إليها، وتجمع بين المسلمين علمًا واعتقادًا وعملًا، ملتقين على روح الاجتماع ونبذ التفرّق والنزاع . (1)
أما الأحكام العملية وهي الفروع الفقهية، ففي حال ورود النص فلا مساغ للاجتهاد حينئذٍ، وهو ما يُعرف عند العلماء بقاعدة ( لا اجتهاد مع ورود النص ) (2) ، والمراد بنفي الاجتهاد عند وجود النص ما إذا كان النص صحيحًا صريحًا؛ أما الاجتهاد في فهم النص وتطبيقه على الواقعة إذا كان ظني الدلالة فهذا أمر آخر تختلف الأفهام فيه،وهو نوع من الاجتهاد في النصوص. (3)
ـــــــــــ
المدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل للشيخ بكر أبو زيد 1/89 - 90. بتصرّف .
انظر تفصيل هذه القاعدة في كتاب أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله التركي ص 721.
المصدر السابق .
المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد:
ذكر العلماء أنّ الاجتهاد نوعان: (1)
الأول: الاجتهاد في فهم النصوص لإمكان تطبيقها، وهذا واجب على كل مجتهد، وخاصة إذا كان النص محتملًا لوجوهٍ مختلفة في تفسيره، أو كان عامًّا أو مجملًا.