ومعلوم أن دين الإسلام قائم على الإستسلام لأحكام الله تعالى، والإنقياد التام لما أنزله سبحانه، ولهذا عطف الله تعالى تفرده بالحكم على كلمة التوحيد، (وَلاتَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلها آخر لاإِلَهَ إِلاَّ هُوَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(، وعطف كلمة التوحيد على تفرده بالحكم وسماه الدين القيم) : إِنِ الْحُكْمُ إلا لله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلا إياه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ)، وهذا مثل قوله تعالى) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّتَعْبُدُو اإِلاَّ إِيَّاهُ (أي لماكان هو الحكم وإليه الحكم، حكم أن لايُعبد سواه، ولهذا قال) قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس) (، أي: كون الرب الخالق المدبر، والملك الحاكم الآمر، استحق العبادة وحكمَ أنْ تكون العبادةُ له وحده، وأن من جعلها لغيره، فهو كافرٌ به سبحانه
ولهذا كان أوّل أسباب الشقاء، التي وقعت في الوجود، الخروج عن حكمه سبحانه، كما فعل إبليس لعنه الله، فاستحق اللعنة الأبديّة،
كما كان عنوان السعادة الأبدية طاعة أحكامه، والخضوع لسلطانه، وفي الحديث: (كلّ أمّتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى، قالوا: ومن يأبى يارسول الله، قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) خرجه البخاري من حديث أبي هريرة
ولهذا قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله) ، أي لاتقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذين يحكم فيه ويُمضي.
وسبب هذه العناية العظيمة في القرآن بالحكم بما أنزل الله تعالى، والتحذير العظيم من تعطيلها أن تعطيلها هو أعظم جريمة تقترف،
ذلك أنها كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (فالشريعة عدل الله بن عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم، أتم دلاله وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه في استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة، والغذاء، والدواء، والنور، و الشفاء، والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود،