وقال: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَاأُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَاأُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو اإِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) ، فجعل الذين يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى، غير كافرين بالطاغوت، وهذا يعني أنهم مؤمنون بالطاغوت، ولهذا جعل إيمانهم بما أنزل الله تعالى زعما، ومعلوم أن الكفر بالطاغوت أحد ركني الشهادتين، فالطاغوت كل ما يتخذ من دون الله تعالى من أرباب، أو آلهة، أوأنداد، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَافِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِاعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، وقال (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
وفي هذا بيان واضح أن مريد التحاكم إلى غير ما أنزل الله مؤمنٌ بالطاغوت، كافرٌ بالله تعالى، مجانبٌ لما جاءت به الرسل الكرام، عليهم السلام، ذلك أن ما أرسلوا به هو الحكم بالكتاب بالحق، قال تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) .
وقال تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) . فقد وصفهم بالمنافقين
وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) . وأيّ مشاقّة للرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من الإعراض عن شريعته؟! وأيّ تولِّ لغير سبيل المؤمنين، أعظم من نبذ التحاكم إلى التنزيل الذي آمن به المؤمنون واتّبعوه؟!
وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَاأُمِرُوا إلا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّإِلَهَ إِلاَّهُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ،،ومعلوم أنهم أطاعو الأحبار، والرهبان، في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله تعالى، فكان ذلك اتخاذهم أحبارهم، ورهبانهم، أربابا من دون الله تعالى، مع أنهم كانوا يفعلون ذلك تدينا، وتعظيما لدينهم المحرّف، ظانين أن للأحبار، والرهبان، ذلك الحقّ، وليس تحقيرا للدين، ولا إقصاء له، ثم سمّاهم الله تعالى متخذي الأرباب من دون الله تعالى، فكيف يكون حكم الذين يقصون الشريعة، من المتحاكمين إلى القوانين الوضعية؟!