وفي خضم كل هذا الزخم التطوري المليء بالأحداث والتغيّرات، وربما القلاقل، لم يكن الشاعر والفنان الإغريقي بغائب عن الساحة، بل كان أشد حضورا، من خلال قنواته الخاصة، المتمثلة في تلك المسارح والمنتديات والمواسم والحفلات الطقوسية الدينية ذات الطابع الحضاري الفني. فمدن الإغريق لم تكن مدنا مادية وحسب، بل كانت ساحات للمحاورة والمثاقفة واستعراض الفنون أيضا. وأساطير الإغريق تقول إنّ:"أسوار مدينه"طيبة"شيدت من طوب القصائد وموسيقاها" [1] الأمر الذي يؤكد بكل وضوح"شغف الإغريق بالفن وتعليقهم الآمال على ضرورة وجوب حكم العقل والمخيّلة والبناء روحيا كان أم ماديا" [2] ، لقد كانت هذه المدن تقدّم للفنانين"ينابيع مدهشة وجديدة للشعر وأسبابا للتفتح الجسدي والروحي" [3] فيضيفون إلى جمالها الأرضي وتجسدها المادي جمالا روحيا حلميا تجريديا شاعريا، لأن"الإنسان لا يستطيع أن يسكن على هذه الأرض إلا شعريّا" [4] ، ولذلك يجب نقل مصادر الشعر وينابيعه" [5] الشفافة لتكثيف صفة الإنسانية وإثرائها، ولا يضطلع بهذه المهمة إلا الشعراء ذووالقدرة الخارقة الذين باستطاعتهم رفع"الواقع إلى مرتبة الرمز وكسب ما هو غريب عن الإنسانية إلى الإنسانية [6] . فالمدينة في عرف الإغريقيين كانت مدينة ذات وحدة حضارية متكاملة"تسوّرها أصول المنطق والعقلانية" [7] ، وتكثّفها وتسموبها الإبداعات الشعرية.
(1) - محمود شريح: تجربة المدينة في شعر خليل حاوي الفكر العربي المعاصر، ع 10،شباط 1981، ص 89.
(2) - م.ن، ص ن
(3) - مجموعة من المؤلفين، لإنسان والمدينة في العالم المعاصر ص13.
(4) - م.ن، ص14.
(5) - م.ن، ص14.
(6) - م.ن، ص211
(7) - 8- محمود شريح، تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، لفكر العربي المعاصر،العدد 10، شباط 1981، ص 89 . (مرجع سابق) .