فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 457

المدينة هي مسكن الإنسان الطبيعي، وهي المكان الإنساني الأفضل المبني لسعادته، شأنها في ذلك شأن كل تجمع بشري كالقرية أو البادية في أو ل الأمر. ولقد كان تكونها تلقائيا بطيئا في المراحل الأولى، ثم تقنيا حثيثا في مراحل متأخرة، أو جدها الناس لتكون في خدمتهم وعلى مستواهم، أو جدوها لتناسب أذواقهم ومشاربهم، ولتساعدهم على العيش وتطمئنهم وتحميهم من العالم المناوئ ومن أنفسهم .ولذا شكّلوها على مقاسهم وعبؤوها بما يستجيب لحاجات الأجساد والنفوس من [1] مرافق ضرورية لضمان سيرورة حياتهم ،وإقامة مراسيم طقوسهم وحفلاتهم، وكذا مرافق ملهاتية ينفّسون فيها عن مكبوتا تهم . فكان لكل مدينة شخصيتها وروحها المميزّة لها عن غيرها من المدن الأخرى تبعا لتمييز عادات وتقاليد وحاجيات ساكنيها ونشاطاتهم، وحتى موقعها الطبيعي انغلاقا أو انفتاحا، ذلك لأنّ ثمة مدنا"منفتحة على نهر أو على الأفق ... وثمة مدنا قابعة في زوايا الأودية، منغلقة كالمقرور في ظل بواباتها، أو منكمشة في حركة ذعر أو منتشرة في ظل السهل البعيد" [2] وهذا من شأنه أن يحدث تأثيرا في النفوس حاسما ويشكّلها هو الآخر أيضا، كما أن الإنسان يطبع المكان الذي يوجد فيه بطابعه الخاص، ولذا"كثيرا ما يحدث التشابه بين الإنسان والمكان الذي يسكنه" [3] وهكذا تكون المجتمعات على صورة المدن والعكس يصّح، لكون التأثير متبادلا .

(1) -الإنسان والمدينة في العالم المعاصر، مجموعة من المفكرين الفرنسيين، تر / كمال خوري، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1977 ص 5

(2) - م.ن، ص6.

(3) - م.ن.ص ن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت