ومع هذا كله يبقى باب الاحتمالات مفتوحا ويبقى الخطاب الشعري قابلا لمستويات أخرى من القراءة. فقراءتنا هذه لا تدعى الإحاطة الشاملة بمستويات الخطاب الشّعري وبلوغ الهدف المنشود- وهوما كانت الخاتمة قد أشارت إليه في الأخير- من ذلك أنّ أيّة محاولة تتعرّض لما تعرّضنا له، لا بدّ وأن يكون نصيبها من الخطأ أكثر من نصيبها من الصواب. وذلك لأّن الدراسات التي تتناول مثل هذه الظواهر ما تزال تشكّل نوعا من الاستشرافات النقدية، أو هي في أحسن الأحوال تقوم على الافتراض أكثر ممّا تقوم على الدراسة الموضوعية، والنتائج الموثّقة. ولذلك وجدنا صعوبة كبيرة في تتبّع الظاهرة، ودراستها، وهوأمر طبيعي - على ما نعتقد- في كلّ دراسة تطمح إلى أن تأتي بجديد في مجال بحثها.
فدقة الموضوع واتّصاله في جزء هام منه بالفلسفة والتاريخ والحضارة، يمكن أن يكون مصدر مزالق كثيرة ليس من السّهل تجنّبها، ثمّ إنّ عدم وضوح"هوية"المدينة العربية وتكامل ميزاتها بسبب الهجرات الريفية المتوالية إليها يعتبر من ضمن الصعوبات الكثيرة التي تواجه دارس شعر المدينة .
وأؤكّد أنّه ليس في استطاعة هذه الدراسة أن تعرِض لكلّ ما ينبغي أن يقال في موضوعها، فهي تُعنى بالخطوط العريضة وتكتفي بإثارة أهمّ القضايا، من زاوية نقدية أساسية هي أن تنتخب عددا من الأعمال الشعرية، لتقف معها وقفة تأملّية على قدر من الآناة يشعر القارئ معها، أنّ في إمكانه تصوّر هذه الأعمال، كبنى فنيّة قائمة بذاتها، متميزّة عن غيرها في سياق الظاهرة الشعرية، محكومة بقدراتها وتراثها، وثقافتها الجديدة. ولعلّ عملنا هذا في مجمله لا يمكن أن ينطبق عليه إلاّ ما قاله العماد الاصفهاني:"إنيّ رأيت أنّه لا يكتب الإنسان كتابا في يومه إلاّ قال في غده، لوغيّر هذا لكان أحسن ولوزيد كذا لكان يُستحسن، ولوقدّم هذا لكان أفضل، ولوترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهودليل على استيلاء النّقْص على البشر".