قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:"إن الله خلق آدم على صورته"، والصورة مماثلة للأخرى، ولا يعقل صورة إلا مماثلة للأخرى، ولهذا أكتب لك رسالة، ثم تدخلها الآلة الفوتوغرافية، وتخرج الرسالة، فيقال: هذه صورة هذه، ولا فرق بين الحروف والكلمات، فالصورة مطابقة للصورة، والقائل:"إن الله خلق آدم على صورته"الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم وأصدق وأنصح وأفصح الخلق.
والجواب المجمل أن نقول: لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [1] ، فإن يسر الله الجمع، فاجمع، وإن لم يتيسر، فقل {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [2] ، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له، بهذا تسلم أمام الله عزَّ وجلَّ.
هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضًا، لأنه كله خبر وليس حكمًا كي ينسخ، فأقول: هذا نفي للمماثلة، وهذا إثبات للصورة، فقل: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله خلق آدم على صورته، فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله والكل حق نؤمن به، ونقول: كل من عند ربنا، ونسكت وهذا غاية ما نستطيع.
وأما الجواب المفصل: فنقول: إن الذي قال:"خلق الله آدم على صورته"رسول الذي قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [3] ، والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل والذي قال:"خلق آدم على صورته"هو الذي قال:"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر" [4] فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟!، فإن قلت بالأول، فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس له أناف وليس لهم أفواه!، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!، وإن قلت بالثاني، زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه.
فإن أبى فهمك، وتقاصر عن هذا، وقال: أنا لا أفهم إلا أنه مماثل.
قلنا: هناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فقوله:
(1) سورة الشورى: 11.
(2) سورة آل عمران: 7.
(3) سورة الشورى: 11.
(4) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. ومسلم: كتاب الجنة، باب في صفة الجنة وأهلها.