الصفحة 26 من 112

السفل، وكونه في السفل مستحيل، لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام، فإذا كان السفل مستحيلًا، كان العلو واجبًا.

وهناك تقرير عقلي آخر، وهو أن نقول: إن صفة العلو صفة كمال باتفاق العقلاء، وإذا كان صفة كمال، وجب أن يكون ثابتًا لله، لأن كل صفة كمال مطلقة، فهي ثابتة لله.

وقولنا:"مطلقة": احترازًا من الكمال النسبي، الذي يكون كمالًا في حال دون حال، فالنوم مثلًا نقصه، ولكنه لمن يحتاج إليه ويستعيد قوته به كمال.

خامسًا: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة، فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وإنما تتوجه إلى الله بدفعه، فإن قلبك ينصرف إلى السماء حتى الذين ينكرون علو الذات لا يقدرون أن ينزلوا أيديهم إلى الأرض.

وهذه الفطرة لا يمكن إنكارها.

حتى إنهم يقولون: إن بعض المخلوقات العجماء تعرف أن الله في السماء، كما في الحديث الذي يروى أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام وعلى أبيه خرج يستسقي ذات يوم بالناس، فلم خرج، رأى نملة مستلقية على ظهرها، ورافعة قوائمها نحو السماء، تقول:"اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك". فقال:"ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم". وهذا إلهام فطري.

فالحاصل أن: كون الله في السماء أمر معلوم بالفطرة.

ووالله، لولا فساد فطرة هؤلاء المنكرين لذلك، لعلموا أن الله في السماء بدون أن يطالعوا أي كتاب، لأن الأمر الذي تدل عليه الفطرة لا يحتاج إلى مراجعة الكتب.

والذين أنكروا علو الله عزَّ وجلَّ بذاته يقولون: لو كان في العلو بذاته، كان في جهة، وإذا كان في جهة، كان محدودًا وجسمًا، وهذا ممتنع!.

والجواب عن قولهم:"إنه يلزم أن يكون محدودًا وجسمًا"فنقول:

أولًا: لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات، ولو جاز هذا، لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة.

فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو، ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو، فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات، لأنه لو كان علو ذات، لكان كذا وكذا.

ثانيًا: نقول: إن كان ما ذكرتم لازمًا لإثبات العلو لزومًا صحيحًا، فلنقل به، لأن لازم كلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت