بين الرتبتين.
ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمِّل، ولا يمكن في المكمِّل أن يكون في رتبة المكمَّل؛ فإن المكمِّل مع المكمَّل في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد؛ فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والمخالفات.
وأيضًا: فإن الضروريات إذا تؤملت؛ وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه:
فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، ولذلك تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين، فيبيح الكفر الدم، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين.
ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص، فالقتل بخلاف العقل والمال .. وكذلك سائر ما بقي.
وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو.
وإذا كان كذلك؛ فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات، أي: أنه إخلال بها، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات" [1] ."
وقال أيضًا في وجه آخر:
"أن البدع تنقسم إلى: ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية، ومعنى ذلك: أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليًا في الشريعة؛ كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارًا على القرآن، وبدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا الله ... وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع؛ بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيًا، إنما يأتي في بعض الفروع دون"
(1) الاعتصام (2/ 516 - 518) .