والثالث: أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها ... إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخر، ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع؛ فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين.
والرابع: أن المبتدع قد نزّل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع، وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق؛ لم تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام.
فهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرًا ومضاهيًا للشارع، حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابًا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، وكفى بذلك.
والخامس: أنه اتباع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع؛ لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين"."
وقال أيضًا:
"الوجه السادس: يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة والمعاني المذمومة، وأنواع الشؤم:"
وهو كالشرح لما تقدم أولًا، وفيه زيادة بسط وبيان زائد على ما تقدم في أثناء الأدلة.
فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة، من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام -فما الظن بصاحبها؟ -، وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله