الإسلام- والتي قد حذّر منها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أشد التحذير- فيتجه إليهم ناصحًا شفيقًا، ومعلمًا ربانيًا، فيهتدي ويعود على يديه ألفان، وقيل: أربعة آلاف، وقيل: عشرون ألفًا [1] .
ولكن هذه الدعوة -دعوة المخالفين- انحسرت في عصور المسلمين المتأخرة، فلم يقم بها إلا فئام من الناس، لا يكاد يسمع عنهم؛ ثم قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن تستيقظ من سباتها بدعوة الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والتي سرت في الناس سريان النار في الهشيم، بفضل الله ـ، ثم بفضل ما تحمله من الحق الذي يعلى ولا يعلى عليه.
فأقبل الناس على أمور دينهم يتعلمونها، ويعملون بها ويدعون إليها، وكان من أهم وسائل ذلك تأليف الكتب والرسائل في شتى المجالات والفنون.
وكان من ضمن تلك الكتب التي ألفت ما يتكلم عن البدعة وأحكامها، وأحوال أصحابها، ممن تنكبوا طريق السنة والجماعة.
وبالرغم من كثرة ما كتب في موضوع البدعة وما يتعلق بها من الأحكام [2] ، إلا أنه لم يؤلف كتاب مستقل في مسألة دعوة المخالفين، فظلت هذه المسألة على أهميتها واعتناء السلف بها متناثرة في كتب الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لا يجمعها شيء.
ونظرًا لعلاقتي بدعوة بعض الفرق المخالفة لأهل السنة، ولما رأيته من حاجة هؤلاء الناس إلى الدعوة إلى الدين الحق، وحاجتهم إلى الدعاة الصادقين لينتشلوهم من ظلمات الجهل والانحراف، خصوصًا مع ما رأيته من إقبال على الحق لكل من تبين له وكان طالبًا له، وما رأيته وسمعته من بعض الدعاة الذين يثبطون عن الدعوة في هذا الجانب، متمسكين
(1) سوف نورد القصة في فصل: وسائل دعوة أهل البدع.
(2) استفدت من كثير من هذه الكتب في بحثي هذا، خاصة كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي رحمه الله، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كثير من المواطن في الفتاوى وغيره من الكتب، ومن كلام أئمة الدعوة النجدية عليهم رحمة الله.
ومن الرسائل المعاصرة التي استفدت منها كثيرًا في بحثي هذا: رسالة الدكتوراه للشيخ الدكتور/سعيد بن ناصر الغامدي:"حقيقة البدعة وأحكامها"؛ والتي هي من أفضل الرسائل في بابها .. وكذلك رسالة الدكتوراه للشيخ الدكتور/إبراهيم بن عامر الرحيلي:"موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع".
وكذلك الكتيب الماتع للأخ محمد بن صالح بن يوسف العلي:"إنصاف أهل السنة والجماعة ومعاملتهم لمخالفيهم".