الصفحة 11 من 12

والوصف الوارد في الآية بالفشل والتنازع والعصيان لا يشمل فعل ولا شخص النبي الكريم أبدا، فهذا كلام لا يمكن أن يقوله عاقل فضلا عن عالم.

بل الفشل والخيبة والخسارة في مخالفة أوامره و الهدى الذي جاء به عليه الصلاة والسلام .. ونلاحظ أيضا ما قررته الآية الكريمة (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) وهو ما يقطع بأن الكلام كله عن الرماة .. فقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره قولهم: ما علمنا أن من أصحاب النبي من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. فالسياق كله يتحدث عن فشل وتنازع وعصيان الرماة، ثم أوضح المفسّرون - مثل الحسن البصري رضي الله عنه - أن الذين تركوا مواقعهم من الرماة هم الذين يريدون الدنيا، ومن ثبتوا وأطاعوا الرسول هم الذين يريدون الآخرة. رضي الله عنهم ورضوا عنه. (4)

بل إن الهزيمة في أحد جاءت تأكيدا للمنهج وانتصارا له، لأن هؤلاء لو انتصروا رغم مخالفتهم أوامر الرسول عليه السلام، لتكررت المخالفات بعد ذلك، ولحسب كثير من الناس أن العصيان لن يضرهم شيئا، فيحدث بسبب ذلك خلل وفتنة وفساد كبير. فكان لابد من درس قاس هو الهزيمة واستشهاد سبعين مسلما كي يثوب الجميع إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يعصونه بعد ذلك أبدا.

والخلاصة أن وصف الفشل والتنازع والعصيان الوارد في الآية يستحيل شموله للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجّة هنا للجهلة. والله تعالى أعلى و أعلم.

(1) يقول بعض علماء الحديث أن هذا الدعاء لا إسناد له، رغم أنه مذكور في كل كتب السيرة العطرة تقريبا -عند ابن إسحاق وغيره - كما رأيته في تفسير ابن كثير رضي الله عنه، ذكره ضمن كلامه تفسيرا للآية 29 من سورة الأحقاف، وأورده السهيلى في الروض الأنف، وذكره الإمام ابن القيم أيضا في"زاد المعاد"الجزء الأول. وأورده أبو الفرج بن الجوزى في"الوفا بتعريف فضائل المصطفى". وليس من المعقول أن يثبته كل هؤلاء الفحول في كتبهم بغير دليل .. والله تعالى أعلم بالصواب.

(2) روى الإمامان أبو داود وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما حديث عبيد الطائف الذين أعتقهم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرجوا إليه مسلمين. وقال الإمام الشوكانى في نيل الأوطار:"وقد روي أنهم ثلاثة وعشرون عبدا من الطائف من جملتهم أبو بكرة كما ذكره البخاري في المغازي، وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شيء قاله موسى بن عقبة في مغازيه وتبعه الحاكم. وجمع بعضهم بين القولين أن أبا بكرة نزل وحده أولا ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن، و قوله: أبا بكرة اسمه نفيع بن الحارث، وكان مولى الحارث بن كلدة الثقفي، فتدلى من حصن الطائف ببكرة فكني أبا بكرة لذلك، أخرج ذلك الطبراني بإسناد لا بأس به من حديث أبي بكرة". (نيل الأوطار -الجزء الثامن- طبعة دار الحديث) .

(3) للمزيد عن السيرة النبوية العطرة طالع: سيرة ابن هشام والسيرة النبوية للذهبي والسيرة النبوية لابن كثير والطبقات الكبرى لابن سعد وفقه السيرة لمحمد الغزالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت