5 -أيها المسلم: ليكن دخول شهر رمضان عليك بأن تقوم في هذا الشهر قومةً نشيطةً، وعزمةً كبيرةً على التوجه إلى ربك، والإنابة إليه، وتغيير حالك من الغفلة والإعراض إلى الإقبال والمنافسة في كل خير، وطلب النجاة من عذاب الله، وبذل الأسباب التي يدخل بها العبد الجنة، وتُرفع بها درجته عند الله، وينجو بها من النار، ولتكن ممن أفاق من رقدته، فسعى في حياة قلبه بذكر الله، وشكره، والتقرب إليه، وطلب ما عنده من الأجر العظيم، والنظر إلى الدنيا أنها ذاهبةٌ مُضمحلة، {وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور} [الحديد: 20] . ولتكن ممن يتقي الدنيا وغرورها، ويطلب الآخرة، وهي خيرٌ وأبقى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) رواه مسلم.
6 -أيها المسلم: ابتعد عن الشر! وامسك عنه، واحذر منه! بل إنّك ابتعد عن الأماكن والمجالس التي فيها الشرور والذنوب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ) رواه الترمذي وغيره (صحيح) .
وكذلك إذا ذهبت إلى السوق في رمضان أو غيره، فخذ حاجتك ثم اخرج، ولا تكن من أهل الصَّخَب في الأسواق؛ لأنها شر البقاع، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (خَير البِّقاعِ المسَاجِد وشرُّ البقَاعِ الأسْوَاق) رواه الحاكم (حسن) . وقال - صلى الله عليه وسلم: (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ) رواه مسلم. وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - عنه - صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ) رواه الترمذي. واجتنب مجالس القات، والمحرمات، والغيبة، وكل سوء. والله الموفق.
الدرس الثاني
ماذا يجب عليك في صوم رمضان؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن صيام رمضان عبادة عظيمة فعلى المسلم أن يهتم بها غاية الاهتمام، ومما يجب على المسلم لصيام رمضان ولكل صوم واجب ما يلي:
1 -أن يُبيِّت نية الصيام من الليل: (من أي جزء من الليل) ، ولو أكل بالليل سحورًا أو غيره بنية أن يصوم غدًا فقد بيَّت النية من الليل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رواه النسائي (صحيح) .
فيا أيها المسلم: بيِّت النية لكل يوم لما مرّ في الحديث، ولأن كل يوم عبادة مستقلة فيجب التبييت له.
2 -أن يمسك عن جميع المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس: (حتى تغرب الشمس) بنية التعبد لله عز وجل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) رواه الشيخان.
3 -أن يتجنب المفطرات (يجب) ، وهذه المفطرات هي أنواع:
الأول: الجماع بإيلاج الذكر في الفرج: وهو أعظم أنواع المفطرات وأعظمها إثمًا، فمن جامع في نهار رمضان، والصوم واجبٌ عليه فإنه يلزمه القضاء والكفارة والتوبة إلى الله تعالى، كما جاء في حديث الرجل الذي وقع بامرأته في رمضان، فقال له - صلى الله عليه وسلم: (أَعْتِقْ رَقَبَةً قَالَ مَا أَجِدُهَا قَالَ فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) رواه الشيخان.
الثاني من المفطرات: إنزال المني باختياره: بتقبيل، أو مباشرة، أو لمس، أو استمناء ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي) رواه البخاري.
أما المباشرة والتقبيل واللمس بدون إنزال فلا يفطر به، لقول عائشة - رضي الله عنها: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) رواه الشيخان. وأما الإنزال بالاحتلام أو بالتفكير المُجرّد فلا يفطر به.
الثالث: الأكل أو الشرب: من الفم أو الأنف، أيًّا كان المأكول أو المشروب، وقد قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] . وقال - صلى الله عليه وسلم - للقيط - رضي الله عنه: (وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أهل السنن (صحيح) .
الرابع: ما كان بمعنى الأكل أو الشرب: وهو حقن الدم في الصائم؛ لأن الدم يغذي البدن، والإبر المغذية، وأما غير المغذية فلا يفطر بها.