فهو دعوة الناس بالحكمة، والتي تعني وضع الشيء في موضعه ولا تعني الخضوع والضعف أو البلاهة والدروشة.
كما أنها لا تعني الرفق واللين دائمًا كما يتوهَّم البعض، فاللين والرفق ضروريات في بعض المواقف، ولكن الشدة والحزم أشدّ ضرورة في مواقف أخرى.
وهكذا كان منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد كان هينًا لينًا رحيمًا رفيقًا في معاملته للأعرابي، -يوم انتهك قدسية مسجده، ولوّثه بنجاسته وبوله- لما يعلمه من جهله وجفائه وحاجته إلى الرفق والتعليم لاستدراك ما اعتاده من سلوك وما نشأ عليه من طباع.
وكذلك كان هينًا لينًا وهو يحاور شابًا يافعًا دخل عليه مجلسه يا رسول الله ائذن لي في الزنا. نعم، يا رسول الله: ائذن لي في الزنا!.
فما نهره وما كهره، وما عنفه، وما سبه، وما شتمه، ولكنه قربه بلطف وحاوره بأدب! أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟! أترضاه لابنتك؟ لعمتك؟ لخالتك؟.
كل ذلك والشاب يقول: لا والله يا رسول الله جعلني فداك! فخرج من مجلسه وما شيء أبغض إليه من الزنا، ولا أحب إليه من العفة.
هذه مواقف اللين حين تقتضيها الحكمة ويستدعيها بعد النظر، ثم تأمل -بارك الله فيك- أي شدة وأي حزم يواجه بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد حبة وابن حبه - رضي الله عنهما- في هذا الموقف العجيب!.
بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثًا إلى المشركين، فكان بينهم مسايفة وقتال، فالتقى أسامة رجلًا من المشركين، لا يدع للمسلمين شاذة ولا فاذة إلا أتبعها يضربها بسيفه. فحمل عليه أسامة، فلما أهوى عليه ليقتله إذا به ينطق بكلمة التوحيد! فلم يكترث به أسامة فقتله متأولًا!.