ألا إن من الأمور التي تستلزم الصبر وتقتضيه الصبر على ما يعتري الإنسان من البلاء في نفسه، كأن يفقد حاسة من حواسه أو عضوًا من أعضائه، أو يسري المرض إلى بقعة من جسده، فيحار الطبيب ويخفق الدواء ويطول البلاء، فلا يجد المؤمن بالله واليوم الآخر غير الصبر سيدًا للموقف ومضمدًا للجراح ومخففًا للعناء .. هذا عروة بن الزبير -رحمه الله- الرجل العابد المحتسب يصاب بجرثومة تنخر عظام ساقه، فيقرر الأطباء بترها فيسلِّم لقضاء الله وقدره، ويذعن لأمره وحكمته ويسلم ساقه الثمينة إلى الطبيب ينشرها بمنشار بدائي من حديد، فيثعب جرحه دمًا، ويتصبب جبينه عرقًا ويحترق قلبه لوعة وأسى على فقد قدمه التي ما عرفت غير المسجد طريقًا تسلكه وغير حلق العلم دربًا تعبره، قدم لم تحمله إلى بور مشبوهة ومراتع موبوءة، ولا إلى حيث تذبح الفضيلة وتسلخ العفة.
وبينما عروة -رحمه الله- يتجرَّع مرارة المصيبة وهول الكارثة بإيمان وثبات، إذ بداخل يدخل عليه يعزيه بابنه محمد، فيزداد البلاء بلاءً والعناء عناءً، فلا يزيد أن يقول: اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت!
إن المرء لا يكاد ينقضي عجبه أمام تلك القمم الشامخة من الرجال! وللمرء أن يتساءل أي رجال هؤلاء؟ أين درسوا؟ أين تعلَّموا؟ أين تربوا؟
لكن العجب سرعان ما ينقضي وينتهي ثم ينزوي حين نتذكَّر أنهم رجال تربوا على مائدة القرآن، وارتشفوا من معين سنة سيد البيان عليه الصلاة والسلام.
إنهم رجال تربوا"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار".