انظر إلى الوضوء والغسل، اللذينِ يتطهر بهما العبد من الأحداث، فإن فيهما دلالة على إيمان العبد بأن الله تعالى رقيب عليه؛ مما يحمله على أداء تلك الأمانة السرية بينه وبين ربه، ولو أتى إلى الصلاة بدون طهور لما علم الناس بذلك.
انظر إلى الصلاة، ألا ترى أن المصلي يقرأ في قيامه الفاتحة، وفي ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، وفي جلوسه بين السجدتين يقول: رب اغفر لي، وفي التشهد يقول: التحيات لله .. الخ، وكل هذا يقوله سرًا لا يسمعه مجاوره الملتصق به، أتراه لو لم يكن مؤمنًا بعلم الله تعالى بهمسات لسانه، وخواطر ذهنه، ووساوس قلبه، أتراه يدعو ويذكر الله سبحانه وتعالى في صلاته بهذه السرية، التي لا يطّلع عليها إلا ربه -سبحانه- (وَإنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: 7] .
المعنى الثاني: أن الصيام يربَّي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، حيث يتخلى عن بعض الأمور الدنيوية؛ تطلعًا إلى ما عند الله تعالى من الأجر والثواب؛ لأن مقياسه الذي يقيس به الربح والخسارة مقياس أخروي، فهو يترك الأكل والشرب والملذات في نهار رمضان؛ انتظارًا للجزاء الحسن يوم القيامة، وفي ذلك توطين لقلب الصائم على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض، والإخلاد إليها.
هذا مع ما له في الصوم من النعيم، والحياة الطيبة في الدنيا: من صحة البدن، وفرح القلب بالطاعة، والسعادة، وانشراح الصدر بالإيمان.
أما أصحاب المقاييس المادية الدنيوية، فإنهم ينظرون إلى الجانب الدنيوي القريب في الصوم؛ فلا يرونه إلا حرمانًا من لذة الأكل والشرب والوقاع، التي تحصل بها سعادة للنفس، وتلبية لحاجات الجسد. ولا ينظر هؤلاء إلى الجانب الأخروي، الذي يمثل الجزاء الحقيقي، والخلود الصحيح؛ مما يعدم أو يضعف في قلوبهم التطلع إلى الآخرة وما فيها من النعيم.
المعنى الثالث: أن في الصيام تحقيقًا للاستسلام والعبودية لله جل وعلا؛ إذ الصوم يربي المسلم على العبودية الحقة، فإذا جاء الليل أكل وشرب؛ امتثالًا لقول ربه الكريم (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) [البقرة: 187] ؛ ولهذا كان مستحبًا أن يأكل الصائم عند الإفطار وعند السحور، وكره الوصال، فالأكل - حينئذ- عبادة لله.
وإذا طلع الفجر أمسك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات؛ امتثالًا لأمر الله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلى الَّيْلِ} [البقرة: 187] .
وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره ربه تعالى بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق وشهوات وأمزجة، وإنما هي طاعة لله تعالى، وتنفيذ لأمره.
وإن العبودية لله سبحانه لهي الحرية الحقيقية، وكمال الحرية في كمال العبودية له تعالى، ولذلك قال عياض -رحمه الله-:
ومما زادني شرفًا وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك:"يا عبادي"*** وأن صيَّرت أحمد لي نبيا
ويقول الآخر:
أطعتُ مطامعي؛ فاستعبدتْني *** ولو أني قنعتُ لكنت حرَّا
- وهذا المعنى متحقق في الصلاة والحج وغيرهما، فالعبد في صلاته حينًا يقف، وحينًا يركع، وحينًا يسجد، وحينًا يقعد؛ لأن هذا هو أمر الله ومراده، فيحقق المصلي العبودية بامتثاله.
وفي حجه لا ينهى عن الأكل والشرب، لكنه ينهى عن محظورات أخرى يجب على المحُرِم تجنُّبها: من جماع، ودواعيه، ومن تغطية الرأس، والطيب، وتقليم الأظافر، وقص الشعر .. فيجب عليه تجنبها؛ لأن الله تعالى أراد منه ذلك. ولو امتنع عن شيء لم يمنعه الله منه -كالأكل والشرب-، معتقدًا أن ذلك لأجل الإحرام لكان مبتدعًا، كما أنه لو فعل شيئًا من محظورات الإحرام كان مخطئًا.
فإذا انتهى إحرامه كان مطالبًا بأن يحلق رأسه أو يقصره، وأن يغتسل ويتزين ويتطيب ويقلم أظفاره (ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُم) [الحج: 29] .
هكذا يتربى المؤمن على معنى الاستسلام والعبودية لله تعالى، بحيث يأمره بالشيء؛ فيمتثل، ويأمره بضده؛ فيمتثل، سواء أدرك الحكمة أو لم يدركها.
المعنى الرابع: أن الصوم تربية للمجتمع:
وذلك أن الصائم حين يرى الناس من حوله صيامًا كلهم؛ فإن الصوم يكون يسيرًا عليه، ويحس بالتلاحم مع المجتمع الذي يربطه به جانب عبادي، يلتقي عليه الجميع.