أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات؛ لاستقبال رمضان - كما يصنع كثير من الناس اليوم-، فلما رأت الجارية ذلك منهم، قالت: لماذا تصنعون ذلك؛ قالوا: لاستقبال شهر رمضان. فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟! - واللهِ - لقد جئت من عند قوم السنةُ عندهم كأنها كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم. ورجعت إلى سيدها الأول.
وكان لدى الحسن بن صالح جارية، فاشتراها منه بعضهم، فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد، قامت تصيح في الدار: يا قوم، الصلاة .. الصلاة، فقاموا فزعين، وسألوها: هل طلع الفجر؟ فقالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة؟!
فلما أصبحت رجعت إلى الحسن بن صالح، وقالت له: لقد بعتني إلى قوم سوء؛ لا يصلون إلا الفريضة، ولا يصومون إلا الفريضة؛ فردني، فردّها.
ثانيًا: أنهم يعلمون أن الامتناع عن اللذات في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن امتناع الصائم عن الأكل، والشرب، والجماع، وسائر المفطَّرات في نهار رمضان طاعةً لله - سبحانه وتعالى _ يكون سببًا في حصوله على ألوان الملذات الخالدة في الجنة، فَلِقُوَّة يقين المتقين بذلك؛ يفرحون بقدوم هذا الشهر الكريم.
وعلى النقيض من ذلك حال المنغمسين في الملذات المحرمة في هذه الدنيا؛ فإن انغماسهم فيها يكون سببًا في حرمانهم منها يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، إلا أن يتوب" [1] . وإنما يحرم من شربها يوم القيامة -وإن دخل الجنة-؛ عقابًا له على تمتعه بخمر الدنيا، وهي محرمة عليه، وفي حديث آخر:"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" [2] .
ثالثًا: أنهم يدركون أن هذا الشهر من أعظم مواسم الطاعات، والتنافس في القربات، ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى يجري فيه من الأجور مالا يجري في غيره من الشهور، فلا غرو أن يفرحوا بقدومه فرح المشتاق بقدوم حبيبه الغائب، أو أعظم من ذلك.
هذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال شهر رمضان.
الصنف الثاني: الذين يستثقلون هذا الشهر، ويستعظمون مشقته، فإذا نزل بهم فهو كالضيف الثقيل، يعدون ساعاته وأيامه ولياليه، منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم يمضي منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وهؤلاء إنما استثقلوا هذا الشهر الكريم، وتطلعوا إلى انقضائه؛ لأسباب منها:
أولًا: أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات: من المآكل، والمشارب، والمناكح، وغيرها، فضلًا عن مقارفتهم للذَّات المحرمة، فوجدوا في هذا الشهر مانعًا وقيدًا يحبسهم عن شهواتهم، ويحول بينهم وبين ملاذّهم؛ فاستثقلوه.
ثانيًا: أنهم قوم عظم تقصيرهم في الطاعات، حتى إن منهم من قد يفرط في الفرائض والواجبات، فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض الطاعات، فترى بعض المفرطين المقصرين الناكفين، يترددون في هذا الشهر على المساجد، ويشهدون الجمع والجماعات، ويواظبون على الصيام والصلاة كل يوم؛ فبسبب هذا الالتزام الذي لم يألفوه ولم يتوطنوا عليه؛ استعظموا حِمْلَ هذا الشهر.
ومما يناسب إيراده هنا: ما ذكره ابن رجب وغيره، أن غلامًا سفيهًا، لما أقبل عليه رمضان ضاق به ذرعًا، وأخذ ينشد:
دعاني شهر الصوم - لا كان من شهر- *** ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة *** على الشهر لاستعديت قومي على الشهر
ومن ذلك ما يتماجن به بعض الشعراء كقول أحدهم عن الخمر:
رمضان ولّى هاتها يا ساقي *** رمضان ولّى هاتها يا ساقي
وهكذا حال المسرفين الذين يستثقلون رمضان؛ لأنهم سيفارقون ما ألفوا من الشهوات، ويلتزمون ببعض العبادات، هذا مع ضعف يقينهم بما أعده الله - تبارك وتعالى- للمؤمنين، وعدم استحضارهم لفضل هذا الشهر، وما فيه من الأجور العظيمة، فلا عجب ألا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بهذا الضيف الكريم ما يجده الصادقون المؤمنون.
الوقفة الثالثة
من معاني الصيام
للصيام معانٍ ومقاصد عظيمة، لو تأملناها وتفكرنا فيها مليًّا لطال عجبنا منها:
المعنى الأول: أن الصوم مرتبط بالإيمان الحق بالله جل وعلا؛ ولذلك جاء أن الصوم عبادة السر، لأن الإنسان بإمكانه ألاّ يصوم إن شاء، سواء بأن يتناول مأكولًا أو مشروبًا، أو بمجرد فقد النية، وإن أمسك طوال النهار.
إذن فالصوم عبادة قلبية سرية بين العبد وربه، فإن امتناع العبد عن المفطرات على الرغم من استطاعته الوصول إليها خفية دليل على استشعاره اليقيني لاطلاع الله تعالى على سرائره وخفاياه، وفي ذلك -بلا ريب- تربية لقوة الإيمان بالله - جل وعلا- وهذا السر الإيماني يجري في سائر العبادات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه سبحانه.
(1) رواه البخاري (5575) ، ومسلم (2003) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) رواه البخاري (5832) ، ومسلم (73 20) من حديث أنس رضي الله عنه.