البدع العصرية اليوم لها صور ووجوه متعددة، أعمقها وأشدها هو (( التشييْ ) )فكل أمر يحقق البلاء والمحنة أزيل من موقعه إلى موقع متأخر حتى يفقد تأثيره، والثانية رفع الدين من بيئته وهي بيئة الامتحان والجهاد، والشيء لا يمكن أن يحى إلا في بيئته القدرية التي تتلاءم معه، فلا عجب بعد ذلك أن يصبح الاسلام خادمًا، يعيش في ظلال الجاهلية كالقومية والوطنية، اذ تنزع منه ما يحقق للجاهلية بقاءها وقوتها، وتذهب قوته في أن يكون هو الحاكم ومظلة الوجود للآخرين.
إن لم يدرك الفقيه والعالم هاتين البدعتين ويعمل حياته في جهادهما فهو كواضع الذهب في نهر النجاسة، فمهما صب على الذهب من ماء نقي فلن يحقق الطهارة له أبدًا، والواقع يشهد لذلك فإن فاعلية المسلم في الحياة اليوم تكاد تنعدم، فوجود الصالح في نفسه من المسلمين كثير، ولكن (( المصلحين ) )قليل، وكلما تساءل الناس عن سبب غياب أثر الدعاة وهم كثير، وعن سبب التراجع في فاعلية المسلمين في العالم فإنه يعلم أن المشكلة في هاتين المسألتين.