درر الفوائد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ22ــــ
"شَهْرُ رَمَضَانَ"
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ""
(مَنْ تدبّر الْقرْآن وَتأمّل القُرْآن وأقْبل عَلى كِتاب الله بشَهر الصِّيام وَالقِيام:
يبْكي لِوعْده وَوعِيده، وَيخاف من تخْويفه وَتهْدِيده،
وَيطْمع في رَحْمة ربّه فيما ذكر فِيه من الآيات
وَالعِظات البَالغات فهُو
أسْعَد النَّاس فِي شهْر رَمَضان، وَمِنْ ذلك:
مُدارسَة العِلْم، ومُدارسَة الْخيْر، ومُدارسَة السُّنة عَنْ رسُول الله صَلَّى الله علَيْه وَسَلَّم،
وَقرَاءَة سِيرة النبي صَلَّى الله علَيْه وَسَلَّم، كل هَذا خيْر عَظيم،
وَمنْ جرّب ذلك يعْرف خَيْره وَبرَكته،
فأسَعَد النَّاس فِي رَمضَان مَنْ أقْبل عَلى الْقُرْآن،
والإقْبال علَى القُرآن وَالإقبَال عَلَى السُّنة هُو الإقْبال علَى العلْم وَعَلى الدِّين،
وَلِذلك لمَّا أرَاد الله أنْ يشرف شهْر رمَضَان شرَّفه بالعْلم، فقَال سُبحَانه:
"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"
فَجعَله طرِيقا للدّلالة علَى الخيْر، وَجعَل فَضل هَذا الشَّهر بِما كَان فِيه مِن نزُول الْقُرْآن ...
(كَان صَلَّى الله علَيْه وَسَلَّم أجْوَد النَّاس، وَيَقولُون:
إنّه لا يجْتمع الْجُود وَالجبْن، الجُود والخَوف لا يَجتمعَان،
أن الشَّخْص الجَواد الْكرِيم ليْس بِجبان، لأنّه لَوْ كَان خائفا لخَاف مِنَ الْفقر
لَولا الْمَشقّة سَادَ النَّاس كلهُم
الْجُود يُعْدم وَالإقْدَام قتّال
وَلذلك قرن بالشَّجاعَة، فالجَواد شُجَاع، وَمِن شجَاعته أنّه لمْ يخَف مِن الفَقر،
وَالخوف مِنَ الفقْر بعض الأحْيان أقْوى من الخوف من العدو، والذي لا يَخاف الفقر أوْلى ألا يخَاف العَدو،
وَلذلك يقُولُون:
أنّه لا يجْتمع الجُود وَالخوف، ولا يجتمع الجُود وَالْجبن،
فكَان صَلَّى الله علَيْه وَسَلَّم أجْود مَا يكُون بالخير، كَان جَوادا ...
(الاعْتكَاف مَدْرسَة الصَّالحِين وَهُوَ مَنْزلة الْعَابدِين،
وَالغالب أنَّ الإنسَان إذا أعْطى الاعْتكَاف حقه، وَأوْلاه قَدره،
أنّ الله تَبارك وَتعالَى يخرجه مِنْ معتكفه بخيْر كثير،
فَمن النَّاس مَنْ يَخرج من اعتكافه نقِيا كَيوم وَلدته أمّه،
أرْضى الله فِي ليله، وَأرْضى الله في نهاره، وَاجْتهَد فِي الصَّالحَات،
وَعمر وَقته باغْتنام الْحَسنات، لايفتر عن ذكر،
ولايسأم منْ شكْر، وَتقرب إلَى الله عزَّ وجَلّ بما يُحِبه،
لِسَان ذاكر وَقلْب شاكر وَعيْن دَامعَة
وَكبد جائعة وَأمعَاء ظامِئة،
كل ذَلك وَالله يشْهد أنه يرِيد وَجْهه، وَابتغاء مَا عنْده جَلَّ جَلاله.
("وَكَان جِبْرِيل عَلَيْه السَّلام يلْقَاه كل لَيلَة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ"
وَكَان جبْريل يلْقاه فِي رمَضان كل لَيلة،
وَهََذا طيلة رمضانات التِي عاشَها صلَوات الله وَسلامه عَليه،
وَهَذا الشهر قالُوا:
إنّه مُدارسَة للقُرْآن،
وَهذا يَدل عَلى:
أنّه ينبغِي عَلَى حفَظة القُرْآن، وأهْل الْعِلْم بالقرْآن أن يَجعلوا وقْتا للمُراجعَة،
وَأنْ يجعَلوا وَقتا للمُدارَسة وَالمُذاكَرة،
وَفيه دَليل علَى:
فَضْل وجُود الصَّاحب وَالمعين، وَأنَّ الإنْسَان إِذَا وجد معه منْ يعَاوِنه فَذلِك أضْبط،
وَاعْلَم بأَنَّ الْعِلْم بِالمُذاكَرةِ ... وَالدَّرسِ والفِكْرةِ والمناظرةِ
قَالُوا:
بِالمُذاكَرة تَتلقّح الأفْهَام،
فَإنك إذا ذاكَرت وَحْدك ليْس كَما لوْ كَان مَعك أحَد،
رُبما تذاكِر لوحدك وَتخطئ وَتكرّر الخَطأ ولا تَجد منْ ينبهك،
وَلذلك نُبّه بهذا:
علَى أن وجُود الْمذاكِر الَّذي يَحْفظ الْوقْت، وَيضْبط العلْم،
إذا كَان الَّذي تُذاكر مَعه لا يَضيع الوَقت، حَرِيصا علَى الْعلْم، معْروفا بالضَّبط،
يَعني لَه صِفات مَتَى مَا تحقَقت فِيه الصِّفات حَصَل المَقْصُود مِن هَذه الْمُذاكَرة،
فِيه دَلِيل عَلَى:
مُذاكَرة العلْم وَمدَارَسته،
وَكَان السَّلف الصَّالح - رَحِمَهم الله - يعْرفون ذلِك،
قَال بَعْض أئمة التَّابعِين:
كُنا إذا خَرجنَا مِن عِند جَابر تَذاكْرنا، فإذا أبُو الزّبير - وهَُو مُحَمَّد ابْن تدرس الْمكِّي -
فَإذا أبُو الزّبير أحْفظنَا،
وَهذا يَدُل علَى:
أنَّ السَّلَف كَان يُذاكِر بَعْضهم لِبعض.
(أسْعَد النَّاس فِي رَمضَان:
مَن اسْتفاد مِن هَذه الْعِبادة الجَليلة،
وَتزوّد مِنْ هَذا الشَّهْر بِزاد التقْوى، وَمِنْ أهَمّ مَا ينْبغي للْمُسْلم أنْ يَنتبه لَه:
أنَّ الصَّوم فَرضه الله عزَّ وَجلّ مِنْ أجْل تقْوَاه ..
(قَالُوا:
فَوَات الْفُرصَة - يعْني الإنْسان إذا اسْتشعَر أنَّه قدْ فَاتته الْفرْصَة -
يُعِين عَلى صَلاح الْعَمل ...
*الإنْسَان الَّذي يسْتشعر أنّه فَاته رمَضَان،
يعْرف قِيمَة رمَضان،
وَيسْتشعر أنّه فِي آخر يوم مِنْ رمَضَان
يعْرف قِيمَة العَمل في رمَضَان،
فَهَذه مِن الأسْباب التِي تُعين عَلى اغْتنام رمَضَان ...
(مِمَّا يُعِينك عَلى الثَّبات عَلى الطَّاعَة بَعْد رَمضَان:
أنْ تَتفكَّر وتتدَبر فِي زوال الدُّنيا، وأنك مهْما عِشْت فإنَّك مَيت،
وَأنك إلَى الله صَائر، وإلَى الله مُنقلب،
وكَما بَدأ الشَّهر وَانْقضى فإنك بدَأت وَسَتنقضي،
وَكَما بَدأ وانتهى فإنك بَدأت وَعَن قريب عاجلا أوْ آجلا تنْتهي،
فكُل شَيء إلَى فَناء، وَلا يَدوم للعَبْد البَقاء،
إِنّا مِن الدُّنيا علَى طَرِيقِ
إمَّا إلَى الغَسَّاق أوْ إلَى الرَّحِيق
مَنْ عَلِم أنَّه إلَى الله صَائر هَانت عَليْه الدُّنْيَا ...
(وَالله لئن صَدقت مَع الله أنَّك تحب هَذا الْخشُوع، وأنك تُحب سَماع القُْرآن،
وَأنك تحِب الْبكاء عِندَ سَماع القُرْآن، والْخَشية، وَالتلذذ بهَذا الْكَلام،
فإنَّ الله يعطيك لذّته، وَلا يحرمك هذه اللذة مادمت صادقا فِي حبها،
وَالله كَريم، ولا أكْرم مِنَ الله،
وَأنَّك إذا انكَسْرت بيْن يديه، ووجدت أنك تَدعُوه، وَأنه قَريب مِنك،
وأنك تناجِيه كَأنك تراه فإنْ لمْ تكن تَراه فإنَّه يَراك،
وَشَعرت بِهذه الْمقامات، مَقَام المحْسنين، مَا الذي يمْنعك أنْ تكُون كَذلك؟
مَا الذي يمْنعك فِي كل يَوم بعْد صَلاة العشاء أنْ تقفل بَابك، باب بيْتك، وأنْ تقُول:
كفَى ما مَضى فِي النَّهار، دَعِيني يَا نفْس أتفَرّغ لآخرتي،
فكَما وَجدت اللذة في رمَضَان فسُقهَا إلَى غيْر رَمضَِان ...
(إذَا أَرَدْت أَنْ يبَارك الله لَك فِي طَاعَتك فِي رَمَضَان،
فإنَّ مِنْ أعْظم الأسْباب التِي تعِين عَلى بَقَاء الطَّاعَة:
الشُّكْر،
كثِير مِن الناس يُحرَم الطَّاعَة وَالخيْر بالغَفلة عَن الشُّكر،
فَدَائِما إِذا وُفقت لطَاعة قَوْلا أوْ عَملا ظاهِرا أوْ بَاطِنا فاحْمَد الله سُبحَانه وتَعالى وَاشْكره،
فَإنَّ الله يَزِيدك ...