ذهب طاليس إلى أنّ الماء هو أصل الأشياء و مبدأ الموجودات منه بدأ وإليه ينحل، وهو الجوهر الأساس الذي تولدت عنه كل الموجودات، وأنّ الماء قابل لكل صورة، ومنه أبدعت الجواهر كلها-السماء والأرض وما بينهما-وهو علّة كل مبدع، وأنه حين جمد الماء تكونت الأرض، وحين انحل تكون الهواء، ومن صفوة الهواء تكونت النّار، ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء، ومن الاشتغال الحاصل من الأثير تكونت الكواكب. (1)
وإنّما أراد بقوله الماء هو المبدع الأول، أي هو مبدأ التركيبات الجسمانية لا المبدأ الأول في الموجودات العلوية، لكنه لما أعتقد أنّ العنصر الأول هو قابل كل صورة ، أي منبع الصور كلها ، فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور كلها ، ولم يجد عنصرًا على هذا النهج، مثل الماء فجعله المبدع الأول في المركبات، وأنشأ منه الأجسام والأجرام السماوية والأرضية. (2)
واستدلّ على ذلك بما يلي:
-1 وجد جميع الحيوان من الجوهر الرطب الذي هو المنى، فأوجب أن يكون مبدأ جميع الأشياء من الرطوبة، وأنه ومتى ما عدمت الرطوبة جفت وبطلت، وأنّ النبات والحيوان والإنسان يتغذى بالرطوبة، ولا يستطيع الحياة بدونها، وإذا كانت الرطوبة تنشأ عن الماء كان من الطبيعي أن يكون الماء الأصل الذي تكون منه الإنسان والحيوان والنبات.
-2 أن النبات والحيوان يولدان من الجراثيم الحية، وهذه الأشياء رطبة، والرطوبة من الماء.
-3أن التراب يتكون من الماء والماء يتحول شيئًا ً فشيئا إلى التراب، كما هو مشاهد في كثير من الأنهار، كما في نهر بدينة ودلتا نهر النيل في مصر. (3)
(1) - الملل والنحل، 121 -120 /3 ، وانظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: د .على سامي النشار، دار المعارف، القاهرة الطبعة الثامنة ص.115 /1.
(2) - الملل والنحل 3/121.
(3) - انظر البدأ والتاريخ.136 /1 الفلسفة اليونانية:بيصار ص 55 ، الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون:د.عزت قرني ص .24